صحار الغاضبة… والمغضوب عليها!


أوّل ما دخلت صحار.. ذُهلت من منظر دوّار “كرة الأرض” والدمار قد طال أعمدة الإنارة  وعددا من الأبنية، ونار تشتعل بجانبه، وأخرى تشتعل في اللولو هايبر ماركت، وبنايتين تخرج سحائب الدخان من منها ببطئ بعد أن اشتعلت نيران المتظاهرين فيهما. أمّا بيت الوالي، فحدّث ولا حرج، كانت النيران لا زالت فيه تشتعل، وسيارتين بداخله أحداهما Hummer قد احترقتا بالكامل.

كان “معاوية الروّاحي” ينتظرني، وبمعيته المصوّر “محمد الحبسي”، وحينما التقينا، ودّعنا محمد، واتجهنا أنا ومعاوية إلى منتصف الدوّار، اتصلت بأحد الأصدقاء الذي كان يوافيني بأخبار المظاهرات، وحينما قدم إلينا، أخذنا في جولة إلى مركز الشرطة الذي كان محاصرا من قبل المتظاهرين نهار نفس اليوم، والموقع الذي سقط فيه “عبدالله الغملاسي” قتيلا برصاص أحد رجال الأمن. ثم انتقلنا إلى بيت الوالي الذي التهمته نار غضب المتظاهرين. وبعدما  انتهينا من رؤية بنايتيّ “علي بن ماجد”، تفحصنا اللولو، الذي لم يسلم من نيران الغضب بعدّ الإشكال الامني.

صباح اليوم الثاني، انضممنا إلى المتظاهرين في دوار الميناء، والتقينا بمجموعة من الشباب الذين لهم الفضل في تنظيم حركة السير رغم غلق الشارع، وتهدئة الأوضاع والنفوس. وحين قدّمنا المحامي “عبدالخالق المعمري”، تقدم معاوية مخاطبا المعتصمين، محاولا التهدئة والتحكم في غضبهم. وبعدما أعاد المعتصمون اصطفافهم، وشكلّوا دائرة كبيرة وسط الدوّار، تحدثت إليهم عن عمان قبل 27 فبراير وعمان بعد 27 فبراير، وعن أهمية الدور الذ شكّله اعتصامهم، مع ضرورة الالتزام بالأخلاقيات العامة في التعامل مع الأوضاع الحرجة، خاصة وأننا نحرص في إيصال الرسالة إلى جلالته، وعن ضرورة تغيير الوزراء والمسؤولين المفسدين ومحاسبتهم.

كلّ هذا حدث في ظرف 24 ساعة، بعدها غادرت صحار فجر الثلاثاء من أجل التواجد في ساحة الشعب “أمام مجلس الوزراء”.

كلمة الحق.. أن “صحار” واعتصامات “أهل الباطنة” فيها شكلت منحى جديدا للاتجاه السياسي في عمان، وأن الشعب يكنّ تقديرا وإجلالا لا يُوصف لجلالته ولدوره العظيم في إنشاء الدولة الحديثة والعصرية والفتيّة, ولكن التجاوزات اللامسبوقة لعدد من الوزراء والمسؤولين، والتي كادت أن تأخذ بالبلد إلى منحى خطير ونفق مظلم، لم يكن من السهل السكوت عنها وتجاوزها، خاصةً وأنها تسهم في رسم مستقبل الدولة وتحديد ملامحه.

ما حدث في صحار، وجُب علينا الوقوف عليه من عدة جوانب، وضبطه وحصر نقاطه، لا الاكتفاء بالاتهام والعتب، أو الاصطفاف بالتأييد والتحريض.. فالاعتصام والمطالبة بالحقوق حق مكفول للجميع، مهما كانت أشكاله وتعددت ألوانه، طالما أنه تحت مظلة السلم والأمان.

فما الذي حدث في صحار؟؟؟

النار التي التهمت بيت الوالي وبنايتين يُقال أنهما لـ “علي بن ماجد” ومركز اللولو التجاري، كانت في أساسهما نار غضب، أكثر من كونها تخريب وتدمير، وسقطوط الشهيد “عبدالله الغملاسي” أجج الغضب لدى المتظاهرين منذ لحظة وصول دبابات الجيش ومركبات الأمن إلى دوار الكرة الأرضية فجر الأحد 27 فبراير، ومنذ تعامل الشرطة بقصد أو غير قصد، بنوع من العصبية ونفاد الصبر مع المعتصمين والمتظاهرين، مما ولّد احتقان لدى الشباب وقتها، وبقي السؤال حينها : ألم يكن هناك من رجل رشيد؟؟؟

تعامل الإعلام بظلامية مع أحداث صحار أجّج من المواقف سوءً، وظهور رسائل نصيّة قصيرة من أرقام مشبوهة ساعدت على تصاعد وتيرة التشكيك والتخوين وفقد ثقة المعتصمين بأمن الدولة ومسؤوليها. ناهيك عن قيام بعض أعضاء مجلس الشورى بتصريحات من هنا وهناك ذات مغزى عنصري واضح، ورغبة في تقدم الصفوف لا أكثر.

ما حدث في صحار، يجب أن يُنظر إليه من عدة جوانب، القوّات الخاصة… الشرطة… الجيش، تجاهل المسؤولين وخاصة الوزراء لطلب المعتصمين في امتثال أحدهم، بحجة “الارتباك الأمني”، في الوقت الذي كنّا نعتقد فيه، أن المسؤول مهما انخفضت وظيفته أو ارتفعت، يجب أن يكون في مقدمة الصفوف أو أمام فوّهة المدفع، لكنذ ذلك لم يحدث، وتُرك غضب الشباب أمام فئة من المسؤولين لم تكن لهم القدرة في التعامل مع غضب الشباب إلا بالرصاص، مطاطيا كان أو حيّاً.

بالتالي.. كان من الطبيعي، أن تتسلسل الأحداث وتصاعدة وتيرة المواجهة، وتصل إلى نتيجة سوداء العواقب. ولا ننسى جانب مهم جدا، وهو غياب التواجد الأمني والعسكري بعد لحظة وقوع الأحداث المأسوف لها وبعد وقوعها كذلك، وعدم انتشارها على المنشآت العامة والخاصة لحمايتها. مما ولّد همجية تصرفات لا مسبوقة، نشرت نوعا ما الذعر بين أهالي المنطقة، وللآن لم تُعرف الجهات التي ساهمت في تأجيج موجة الغضب هذه مما دفعها إلى التخريب والتدمير للمتلكات العامة. علماً أن المعتصمون في دواريّ الكرة والميناء، شكلّوا لجانا أمنية تعمل على حفظ السلم والأمن، وهذا ما شاهدته بأمّ عيني، في زيارة لدوّار الكرة مساء الاثنين 28 فبراير، وهم يلاحقون مجموعة من “المخربين” الذين حاولوا إضرام النار في مبنى  الـ سنتر بوينت.

لكن تعامل المتظاهرين مع الاعلام والكاميرات بطريقة سلبية هو ما ساهم بصورة أو بأخرى، إلى فرض واقع مربك في التعامل، خاصة في دوّار الكرة، الذي كان فيه المعتصمين “ملثمين” يرفضون حتى فك لثامهم، ويحيط بالدوّار مجموعة تراقب أيّ شخص يحمل كاميرا أو يصوّر عن طريق موبايله، الأمر هذا لا يوجد في دوار الميناء. حيث المعتصمين فيه يرحبون بالكاميرات والتصوير بل واللقاءات والفصح عن أسمائهم.

أين يُوجد الخطأ؟؟؟

سؤال لطالما تكرر في البال، لحظات تواجدي في صحار وبعد مغادرتي لها.. ولكنّ الأسئلة التالية هي ما فرض نفسه جوابا:

من أمر بهجوم الجيش على النائمين في دوار الكرة فجر الـ 27 فبراير؟

من أمر القوات الخاصة والشرطة بإطلاق الرصاص الحيّ أو المطاطيّ، على المتظاهرين؟

من يقف وراء التخريب والحرائق التي عقبت مقتل الغملاسي؟

لماذا لم يقم الجيش والقوات الخاصة والشرطة بالانتشار على المؤسسات العامة والخاصة لحمايتها؟

يخدم من غلق الطُرق وتعطيل مصالح العامّة؟

لماذا الملثمين خائفين عن الكشف عن هُوياتهم وهم من يُسيطر على حركة المرور؟

أسئلة أعتقد ان أجوبتها ستحمل في طيّاتها حقائق عدّة.. لربما تقودنا في النهاية إلى تكشف حقيقة مروّعة وصادمة..

اليوم، من يحاول استغلال الاوضاع الأمنية المربكة، هناك ن يحاول فرض أجندته الخاصة، وهناك من يحاول إرجاع سلطةً دينية على الحياة العامة، وغيره من يريد أن يعكّر من صفو التوافق المذهبي،و و و، الحسابات عسيرة جدا، ودائما، المسيرات والاعتصامات اللاواضحة الأهداف، والغير معروفة المقاصد، والمغيّبة عنها التنظيم والمنظمين، غالبا ما تذهب إلى نشوء فوضى غير محمودة العواقب كالذي بدأ ترتسم ملامحه في صحار وعبري.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s