عن إضراب المعلم واعتصامه.. وحقوقه


هذا الزمان لن يقف على حال واحدة مهما اشتدت الصدود والموانع..، هذا الزمان زمن تحديات لكل فرد، ولكل أسرة.. ولكل مجتمع.. ولكل أمّة. الوقوف فيه متفرجا أكبر خسارة.. والاكتفاء فيه بالصمت خسارة أخرى، والسكوت عن حقّك في الحياة والعمل إنهيار أخلاقيّ يخلّ بنظام الفرد والمجتمع الحياتي، مما يترتب عليه تراكمات ُتسيء للهوية وتعكس من مفاهيم مهمة كالكرامة والتعايش المشترك.

والمعلم.. في أي مجتمع كان.. المسلم أو المسيحي او اليهودي او المجوسي أو البوذي أو أو إلخ، هو منارةُ الأمّة من ظلمات الجهل، وسُلّم الحاضر إلى المستقبل، وضمانها من الضياع، وتأمينها على كوراثها ومصائبها. لذلك، وجُب تكريمه تماما مثلما تُكرّم الأمم قادتها الفاتحين، واقتصادييها البارزين، فهو إن لم يكن من مصافّ العلماء، فيكفي أنه صانعهم، وإن لم يكن من كبار الاقتصاديين، فيكفيه أنه ملهمهم.

فهل يا تُرى، كيّ تؤسس لمؤسسة تعليمية متينة الأساس عظيمة العطاء،هل ستكتفي بهم كأعداد توّزع عليها الرواتب والحصص؟ وهل يا تُرى من أجل دعم المعلم نكتفي بمعاملته كأي موظف، وكأي فرد، ونحن نستأمن بين يديه أجيال وأجيال وأجيال من أبناءنا وبناتنا. أما علمتم أيها السادة المسؤولون، أن المعلّم أهم من مجالس الشورى المعطَلة؟ ومن خططكم الخمسية المؤرقة؟ ومن مهرجاناتكم المسخة؟ ومن احتفالتكم التافهة؟ فهل استكثرتم عليه قليلا من الكرامة.

أسوأ الامم، تلك التي تقوم برسم سياسيات تعليمية دون استشارة أهل التعليم. أسوأ الأمم تلك التي تجعل من التلميذ إلها والمعلم فردا عاديّا جدا. أسوأ الأمم، تلك التي تجعل من المعلم كأي مادة تستهلك، وتظل صالحة للاستهلاك.. دون أن تراعي صيانته ومتابعته وتطويره وتحفيزه. فهل اعتقد المسؤولون أنّ في دورات التدريب التابعة للمنهج تحفيز للمعلم وتطوير لقدراته؟ وهل اعتقدوا أنهم في حفظهم لمكانة الطالب وإعلاء صوته فوق المعلم إصلاحا لحال التعليم وضبطا لإدارته؟

وعود المسؤول، مجرد مسلسل مكسيكيّ فارغ النهاية، وما حدث مؤخرا من قبل بعض المعلمين الشجعان جداً، أمر كان لا بدّ له أن يحدث منذ زمن، خاصة وأننا اعتقدنا أن المعلم أصبح مجرد ديكور تربويّ، لا تغيير ولا تطوير فيه. لكنّه أثبت لنا، أنه قادر على طلب حقوقه..أبسط حقوقه، وأنه مستوعب تماما لقوانين العمل وآلياته، بل هو قادر بالدرجة الأولى على رسم سياسة تعليمية متكاملة، من المنهج الدراسي ومرورا بنظام العمل والتعليم انتهاء بالمكافأة والكفاءة.

السؤال الذي كان يطرح نفسه مرارا.. هل المعلم موظّف عادي في سجلات الخدمة المدنية؟ فإن كان كذلك، فلماذا لا يتساوى في حقوقه مع باقي موظفي الخدمة…؟ وإن كان لا، فلماذا لا يتم التعامل معه وفق حقوقه الوظيفية ووضعه التعليمي، وحالته المهنية…؟

أسفت كثيرا، لأن الكثير من المعلمين أصابهم الجبن في اللحظات الأخيرة وتراجعوا… أسفت لأن بعض الناس استكثروا على المعلم المطالبة بحقوقه وأسندوا كل مشاكل التعليم إليه. أسفت لأن بعض المندسين حاولوا تصوير الأمر على أنه مهزلة وتضييع للوقت، وكأن الأمر مجرد مزحة.

إذا لم يستطع المعلم الدفاع عن حقوقه و المطالبة بها، فكيف سيُربي ويعلّم أجياله..؟ أيّة أجيال هذه التي ستخرج من بين يديه إن كان هو أحد الجبناء جدا.. الصامتين جدا.. والمستهترين جدا.. الذين تركوا أعمارهم تذهب سدى.. وهم يراقبون أحلامهم تذهب شيئا فشيئا.. غير قادرين على تحقيقها أو اللحاق بها.. واكتفوا بزواج وبيت وكرش ممتلئ وحياة عادية بين أشياء عادية.

لا تعتقدوا أننا إذا عشنا بين معلمين عاديين جدا ستصبح لنا أمة مميزة، ولا تعتقدوا أن حركة الاستثمار والعقار مهما كثُرت قادرة على الرقيّ بمستوى المجتمع فكريا وحضاريا وسياسيا إلخ، المعلم وحده قادر على صنع ذلك، ووحده قادر على رسم صورة العقول وتفاصيلها وخريطتها. أما إذا تركنا المعلم مجرد رقم تحدد وجوده وكفاءته سجلات الحضور والإنصراف، وتجاهلنا إبداعه بل وكتمناه، وعوّدناه على الصمت والخنوع..فرحمة الله على الأمّة وحاضرها ومستقبلها.


Advertisements

One Reply to “عن إضراب المعلم واعتصامه.. وحقوقه”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s