التغيير… بنيانٌ أساسه هشّ!


المجتمعات التي يتحكم في حاضرها ومستقبلها العادات والتقاليد، لا مستقبل لها مهما تأخر زوالها وكثرت رفاهيتها. المجتمعات التي تعتبر الخروج عن عادات القبيلة وأعراف المجتمع كفرا، مجتمعات ساقطة في أسفل سطور التاريخ، هذا إن لن تخرج منه أبدا. والعرب، سواءً المسلمين منهم أم المسيحين، تتطبعوا بطبائع سيئة كثيرة، منها السير على خط واحد للأبد، دون محاولة التفكير في خط آخر لسلكه.

ما حدث في تونس، أشعل فتائل صحوةٍ لا تحصى، الظاهر منها أو المخفي  ّ. فهل رياح التغيير هذه المرّة حقا مقبلة؟ أم أنّ التغيير كان دائما بنيانا هسّ الأساس، سرعان ما تسقط أعمدته وينهار سقفه؟أم أن إرادة الشعوب كشّرت أخيرا عن أنيابها؟ وصحى الضمير من غفوته؟

ربما، تَكرُرّ الأقدار والأحداث والأشياء.. الذي لا يحدث إلا في بلاد عربيّة، أثار في خوالج الناس الكثير من الحسرة على الصمت والخوف. وربما، التفرّد في القرار ووعشوائية توزيع الثروات، علّم القهر، وأيقظ الكرامة من سباتها الطويل الذي كاد أن يكون أبديا. لكنّ وجود الصمت لدى شريحة واسعة من الشعوب العربية، التي أغلبها يقف متفرجا ومنتظرا، وحينما تميل الكفّة لطرف، وقفوا بجانبه، هؤلاء أخطر أنواع الشعوب جميعها، صامتة منافقة تتبع مصلحتها حسب الجوّ السياسي.

لا زلت أذكر في أحد حوارات “الاتجاه المعاكس” في شهر يوليو على ما أعتقد أو أغسطس، اتهم أحد المتصلين المنصف المرزوقي بتهم عدّة، وقال له أنهم يمشون في طريق لا نتيجة له إلخ، هل يا ترى صاحب ذلك الاتصال، تابع ما حدث في تونس ولبنان ومصر الآن؟؟

ولكن، هذا لا ينفي حقيقة مهمة، وهي أن المصالح تلعب الدور الأكبر في درجة “متانة” التغيير، خاصة الاقتصادية منها، ثم الاستراتيجية والطائفية والمذهبية. هذه المصالح، عادة ما تتمثل في تقاسم السلطة الاقتصادية والمناصب الرسمية، مما يجعل واجهة التغيير مجرد ستار أو غطاء لمآرب خاصة لا تصل حتى لدرجة أن تكون شعبية وعامة. مما يقود إلى تقهقر وتراجع ثورة التغيير، وتضييق بنودها، وتهميش أهم روّادها.

العرب يحتاجون إلى أثواب جديدة، ولا بدّ لهم من تغيير أثاث بيوتهم، وبنيان بيوت متينة رصينة شامخة عالية. عرب اليوم ليسو عرب الأمس.. وما يجب أن يحدث، هو انقلاب على المفاهيم التي قيّدت فكرهم وأخرّت تقدمهم، وحالت دون كرامتهم.

من تونس, إلى مصر.. هناك خارطة شعبية وسياسية جديدة بدأت ملامحها تظهر، ومعالمها تُرسم.. فماذا ينتظر العرب الآخرون؟ فـ صلاح الدين لن يعود، ولن يأتي ملَكا من السماء يقضي على الظلم ويُنهي الفساد ويُخلّص الأمة من حكّام البغاء والجور والافتراء. ما حدث في تونس.. والذي يحدث في مصر، لا بدّ أن يسهم في تغيير الكثير من المفاهيم الإيديلوجية. وتحسين علاقتنا مع أنفسنا، ونبذ التداعيات المذهبية، والتفاضلات القبلية والعشائرية، ما يحدث لا بدّ أن يقودنا إلى خلق مفهوم حقيقي للثورة والنهضة، ونمط ديمقراطيّ سليم معافى.

كان التغيير في ما مضى شعارا لا برنامجا، لذلك غالبا ما تختفي أصداءه الرنّانة بعد انتهاء الغاية منه، ولكنه اليوم برنامجا له رؤيته واستراتيجيته وخططه، وما أجملها وأروعها من رؤى وخطط، تلك التي تبدأ من تغيير النظام.. إسما وشكلا وسياسة، من أجل تغيير الشعب فكرا وحالا وكرامة.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s