ما تهمسه الصفصافة في أذن صدفة مهملة 2


أيتها المسافرة أبدا في فضاءات الحنايا…

لا زلتِ طريّة في الذاكرة، وكلما حاولت الذاكرة أن تجعل الشمس عليك أكثر وهجا وأعمق لسعة، برُدت أمام ظلّك، وكأنها قمر أضاع مواقيت طلوعه. ما زلتِ عميقة جدا في القلب.. وكلما حاول الفؤاد اقتلاع جذورك وجدها ملتفة بجذوره، وكأن ما للقلب من جذور سواك..

في غيابك،كان الورد أن خلع الأحمر حدادا لك..والحلم تعرّى من الخيال تبجيلا لفقدك..
في غيابك..ضيّعت النجوم مسراها..وكنت أتخذ لنفسي ملجأً من ندف ابتعادك..في غيابك..كان الألم الوطن الوحيد الذي يسكنني، كان الوجع أن استفرد بكل المساحات المعدّة مسبقا لك..كنت كلّي مهيئ للسقوط على بوابة رحيلك…
ووضعت العمر في أدراج الغياب..وانتعلت حذاء التشرّد لي طريقا…

والآن.. وبعد كلّ هذا الزخم العاطفيّ المكتظّ بالوجوه والحواري والطرقات..وروائح تشبه الحلم..لم أجد غير هذه الكلمات أبعثر حروفها على صفحات غيابكِ، علّها تملأ ما عجز النزف عن تعبئته من أودية الصمت… أو لعلّها تسطّر مواعيدا للوجع ..

أذكر كلّ المرايا التي جمعتني بك.. وكل الدقائق والساعات التي احترقنا بحضرتها..  أذكر النظرة الأولى.. البسمة الأولى.. الكلمة الأولى..الارتباك / الحيرة / التردد، مِشيتك التي كان الريح يرزح فيها مع خصرك.. وخصلتك الساقطة أبدا على جبهتك كجريد نخل وارف غض طريّ.. أُهديك أغاني عبدالمجيد والماجد، وتُهديني روايات مستغانمي وقصص يوسف السباعي، كالفراشات نحوم حول دوائر ضوء ممتلئة بالشغف.. مر العمر سيدتي.. وخفتت حدة الأضواء حتى تلاشت، واهتزّت شعلة الشغف حتى انطفت.. ماذا  عساك تقولين كلما عبرك زائر اسمه طيفي، أو كلما عبرتك  قوافل الذكريات بجِمال الصبر ونياق الأرق.. أتسمينني الخائن الوثنيّ، أم المغرور المترفّع، أم المنهزم المكسور..

لا أخفيك، أفتش في الحنايا عن أثارك، لا أدري، هل لأسكب دمع الحنين في سواقيها الجافّة؟ أم لأعبئ رصيدي من فلتات زخّات غيومها.. خيبت ضنّك، فلم أكن مجنونك الذي تعهّد الموت إن فارقتِه، ولا كنتِ ابنت المستكفي  حين أخبرتك عن ليال ستطول عليّ لبعدك، بعد ليال مرّت سريعا لقربي.. أفتش بين الحنايا، وأسأل الذي عاهدتك باسمه يوما أن يغفر الخطايا ويمحو. ها هي الكلمات أكتبها بعدما تعذّر على الوجوه التلاقي، أبعثها لك من مدن مجروحة الشبابيك..موصدة الأبواب،

بعدك :. كان الوقت عربة بلا عجلات..وكلما اصطدمت بابتسامة امرأة ما يقفز لي من الذاكرة تساءل  كنت قد طرحته ذات شغف: أهي الابتسامة نفسها في امرأة مختلفة؟ أم المرأة نفسها بابتسامة مختلفة.. وكلما استيقظ وقت السحر والتقى صحوي، أردد داخلي..:لا يا سحر..عيناها أعمق سكونا..

بعدك ما بقي لي سوى لملمة الجراح..لملمة شعث المشاعر..وكأن النساء بعدك لم يكنّ سوى سُحب تمر وهماً على عجالة، تُمطر وتنقشع، وأحايين كثيرة لا تمطر!

بعدك.. كلما هطل مطر، تذكرت كفّك الصغيرة.. وأصابعك الدقيقة..وهي تعبث بخصلة متمردة.. أو وهي ترتعش بين كفيّ يدي، وملمس شفتيك المستديرتين والمنفرجتين كحبة فستق.. و “حبة الخال” المستلقية على خدّك الأيمن بخجل.. فتتعلق كل ظاهرة في الكون بك، وكأنك سيدة الظواهر كلّها.. ويأخذ كل شيء شيئا منك.. وكأن الحب نصّب لك – ترصّدا بي-  في كل زاوية وفي كل وجه وفي كل شيء خيمة..

بعدك.. تصحّر في قلبي كل نبض، وكأنه يباب آيل للخراب، إلا إذا هطُل عليه غيث ذكراك..

تمردتُّ على الجراح كما تمرّدَت قبائل الحنين عليّ.. فلا أنا تسيدت ولا تلك خضعت..فلا الذكاء..ولا الحنان..ولا المشاكسة..فقط مساحاتك / مساحاتي من الألم والفقد التي بدأتْ تفترشني..ولا أنّ سياط الألم التي تتباهى بغيابك قد علمتني الانتصار.. كانت مجرد سقطة أخرى في بئر التورط والصمت..

أسأل النجوم إن كانت تنظرها مثل ما أبصر أنا النجوم، علّها أعيننا تلتقي في مرايا النجوم.. أسأل النجوم: هل حقّا جميع أوردتها نفضت غبار حبّي منها؟

مضى العمر.. أحاول أن اكنس بانصراف أيّامه أوجاع تناثرت في العروق وفي الحنايا..

تُراكـٍ ؛ ماذا ستخبرين ابنتك عن الحب بعد عقد أو عقدين من الزمن؟ ماذا ستخبرين ابنتك عنّي.. عاشق منافق.. شاعرُ كذّاب.. رجل تافه..

كنت أقول لك: أعطني ابتسامتك أحتفظ بها في دولاب مواقيت شروقي وغروبي، قلبي له زمن لا شمس تشرق داخله..

ماذا سأسألك الآن.. والأنين كلّ يوم يضرب بعصاه حجر الحنين، فتتفجر أنهار حزن جارفة الانحدار…

وكيف لي أن أتخلى عن ابتسامتك الآن.. وأنا الذي كلما عبرت مصادفة على حواري الحنين، أبصرت عينيك تطلاّن كنجمتين من ظلام كلّ النوافذ.. وكلما استسقيت الله نسيانك.. انهمر عليّ رذاذ الشوق قطرات من أحزان مختزلة وصمت حموم..

هنيئا لنا قطيع الجراح هذا.. وروابي التشرّد هذه..

تعتقدين.. لو لامسَت أنامل هواك الآن خطوط أقداري… أيّ خدش هذا الذي سينحته الحنين ؟

كل تفاصيلك تحتلّني.. كمضغ هي،  عالقة على جدران الذاكرة.. أشلاء مترسبة في قيعان القلب.. والحنين كف مبتور الأصابع!!

الآن..ولا أدري بماذا أناديك أو ماذا أسميك… أقول لك لا تأبهي لهذه الكلمات إن قرأتها… واعلمي أن القلب الذي يرسم انعطافات الحروف وجسور المشاعر هنا، هو نفسه القلب الذي كان.. الذي ربما كنست أوردتك عنها غبار حبّه..

واعلمي.. أن الألم ما هو سوى وعل متوّحش الطباع… امسكيه من قرونه إن أردت إذلاله..

ولكن..لا تنسي يوم أن يغفو القمر.. أن تناظري النجوم…

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s