ما تهمسه صفصافة حزينة في أذن صَدَفة مُهْمَلة… 1


ما زلت على عهدي القديم الذي تركتني، أحب كل الأشياء إلا السجائر وجلسات الأرجيلة،  وإن مرّ عليّ يوم لا أذكرك فيه أقول للنسيان:  أحسنت صُنعا، أكمل جميلك وأزله من مساحات الذاكرة الوعرة.. ولكنك – ولا أدري كيف- باق، كبقعة دنس، أم كرائحة عود عتيق…المهم باق، وكلما ألمّت بي مصيبة – وهذا ما عوّدني الدهر- قفز وجهك الدميم أمامي، وضحكتك الصفراء المقيتة..

للآن لم يحدث جديد في حياتي، سوى بعض الوجع، والخيانات المميتة ممن قرّبتهم، غير ذلك لا يتجاوز كونه ضربة شمس لا بد زائلة. أتذكُر؟ كنت تقول لي: ليتك تُغادر ضجرك العقيم هذا الذي تسميه أدبا، الأدب الحقيقي أنفاس الأرجيله وهي تسبح في شرايينك..) كلماتك للآن مثل ذكراك، أسمع صداها كلما هممت بكتابة قصة ما، أو قراءة رواية ما.. لا أدري هل كنتَ محقا، ولكنني أجدني أقول لنفسي نادرا: ماذا الذي سيحدث لو استمعت له مرة..؟!. ولكني استمعت لأراء فاسدين أفسدوا حياتي، وجدتني مرة ألتزم بمقولة لــ كويلهو، كنت قد قرأتها في روايته الزّهير، كان يبدي رأيه فيها عن المسئولية ومعناها.. كذّبتُك وصدقته…أدري، ستقول لي وأنت تسند ظهرك على مخدةٍ ما، ودخان الأرجيلة يخرج من أنفك: دع باولو ينفعك إذاً، لربما يكون أباك دون أن تدري”.

“ونّات” محمد عبده، وكنسيات فيروز، وسيمفونيات المخنث – كما كنت تصفه- ياني ما عادت تلهمني غير ماض تراكم فوق سطحه غبار التناسي فضيّعت ملامحه، الليلة هذه التي سأقضيها بجانب جرحي سأستلطف صوتك الأجش كي يطبطب عليّ قلق الحنين.. ولن أنسى أن أعلّق كلما تذكرت رقبتك القصيرة السمينة وأنت تحاول تحريكها طربا وأقول: “استلِف بعضا من رقبة عمّك صلّوح، فرقبته من طولها لا تكاد تترك أحدا في حاله حتى وإن كان داخل بيته”، وكنت تهزّ لحما لا يهتز ولا تأبه لتعليقي..

ما الذي قادني لأكتب إليك، وأنا أعلم أن ما كرهته طوال عمرك هو القلم والورقة،..

لا أدري لما هذا النزيف الحنيني يعتقد أن لا وقوف له إلا بضمادات ذكرياتك..

لا أدري لما الحروف لا تتعلم البكاء إلا على مواويل صمتك..

كنت تسألني دائما عن البؤس، أقول لك، لا أدري ما هو البؤس حقا، ولكنه كائن مرن، قد تجده في برودة موظفة استقبال ما، لربما تصطدم به لحظة خيانة حبيب لك، أو نسيان أًصدقاء لك نسوا أن يوفوا بديون ذكريات ما، وربما قد يجدك حين لا تجد شيئا أبدا..أما السعادة، فليس بيني وبينها تواصل، سمعت عن هكذا صفة، ولكن لم يحدث أن التقيتها، فلربما تجدها لو بحثت عنها في كتب غير التي أقرأ.. وفي حياة غير التي أحيا..

ولكني أحنّ إليك.. كل الدروب تقودني إليك، أحنّ إليك حقّا، واستجدي الكلمات من ظل الحنين إليك، وأُغرق التفكير في ضحل لحظاتك..وأحرق الرتابة بثلج سخافاتك.. ربما لأنك الشيء الوحيد الذي يقبل التغيير في حياتي الجامدة.. أو لأنك الظلّ الوحيد الذي له جسد.. أو ربما جراح تكاثرت واستوطنت واستباحت، وحب انسحب لركن واكتفى.. نصيحتي لك.. وأنت في هذا الغياب.. لا تأبه.. ولا تسلم قيادة القلب لامرأة..

وتعلّم كثيرا.. لا أقول لك أكمل دراستك الجامعية، أدري بأنك ممّن يضيّق الصبر عليه زقاقه حتى تعي، بل أقول لك تعلّم كيف تدرس الحياة.. بل كيف تجعل من الحياة مجرد دخان أرجيله، لحظة حاجتك تستنشقها، ولحظة اكتفائك تفرغها.. ولا تهتم لإشكالات أسعار النفط ولا تردي قيمة الدولار..

وتعلّم كيف تدوس على الذكريات كي لا تعطي الفرصة لجرح أن يكبر..

وتعلّم كيف تُربي الحنين وترعى أزهاره على أسوار غدك لا أمسك..

وتعلّم.. كيف تروّض الذاكرة في قعر بئر النسيان..

وتعلّم أن الحنين ما هو إلا خارطة على قعر فنجان يكاد يجفّ ما به…

اليوم أكتب لك الذكريات.. وأخبرك عمّا تربى بين طرقاتها، وعمّا تمرد على سلطتها، وأكتب البيوت التي غابت وامتلأ بها القلب بيوتا، لتكن يا صديقي ذاكرتك كالمرايا..

ونصيحتي، لا تقتني السيارات الكورية، فهي كالناس تماما، لحظة الأزمات تنقلب عليك وبالا.. واهتم كثيرا برقم مميز للوحة سيارتك، لعلّك تنجو من مخالفات مفاجئة لضيق الحال..

لربما تصلك الكلمات، وتقول في داخلك: هذا الفارغ، مازال يقتات على بقايا ذكريات..

ولربما بعد قرائتك لها لا تفعل أكثر من تمزيقها.. وتقول لي كما كتب كويلهو يوما: مضى وقت التمزيق عزيزي، وحان وقت التخييط…

أود إخبارك أيها العزيز، مازلت متمسكا بعروبتي وقومياتي التي “لا تؤكل عيشا ولا تُقيم جدارا من ورق” كما تُحبّ أن تغيظني، ربما تكون لعنة وعقاب كما حاول إقناعنا بذلك نزار لحظة ثورة وغضب، ولكنها الآن، وبعد كل ّ هذا الأرق العاطفي وهذه التنازلات، لم يبق لي سواها..

سأكتب لك الكثير الكثير في وقت لاحق..

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s