عاديٌ هذا النزف… 4


لا أدري إن كان العيشُ بعدك سيكون له طعمُ الموت!

ولكنّ الحياة لا تحتوينا إن انتهت صلاحيتنا فيها.. وأنا المتجدد بك أو بالألم..

وكذلك الأيام، عادية ستعبرني.. عاديّة حدّ عدم عدّ لحظاتها أو حتى الاهتمام بسبتها من خميسها من جمعتها. عاديةٌ كأي نزف يطرأ على الذاكرة أو المخيلة، وجه يستحضر وجوه وكفى.. لا أدري حقا كيف ستبدو بعدك الكلمات، وهل سأستطيع حقا تقبل كلمات غير كلمات الحب من رقم جوّالك. ولكنّي مذ افترقنا يكاد هاجس الموت لا يفارقني.. ليس لأن السماء أصبحت بعدّك حارقة على غير العادة.. والبرد ازداد قسوة. ولا لأن الكلمات استعصت عليّ والدموع أبت – ربما لظنّها (أي الدموع) أني سأنفقها في غير المكان- الانحدار كذلك حتى لمجرد التعاطف.

ولكني بتّ أراه – أي الموت- بوضوح مروّع في زوايا كثيرة لم أكن أراه فيها قبلا، أصبحَت نباله تغزوني بكثافة ضباب خريفي حينما أرى حادث مروري ما أو حين أمشي في جنازة. ويُبهرني بثقل عبقه على الأنفاس إذا ما نظرت إلى بقعة دم ما حتى وإن كان ذلك في التلفاز أو في صحيفة.

وحين أوّدع أحدا ما، يهمس -أي الموت- في أذني : ابتسم وأنت تودّع، فلربما يكون هذا الوداع الأخير. أو : صلّي صلاة مودّع، فلربما أنت حقا تودّع. تمهل وأنت تأكل، فلربما هذا عشاءك الأخير. وإذا أكثرت من الاستغفار يتردد صدىً: أكثِر منه أكثَر، ولا تنسى آية الكرسي، فلربما تنقذك.

كلّ هذا ولا زلت أقول، لا أدري إن كانت الحياة بعدك لها طعم الموت، مع أننا كبشر لسنا بالضرورة أن نرتقي لهذه المرحلة، كون أننا نعيش حالات موات كثيرة.. تتمثل في فقد حبيب- مثل حالتنا طبعا- أو في فقد عزيز أو خسارة أو يأس من انفراجة كربة ما.. ففي كل لحظة تنزف فيها قلوبنا نتعجل النهاية قبل الشِفاء.. فنحن بطبيعتنا كبشر لا نخاف نتيجة ما تؤول إليه الأمور، بقدر ما نخشى انعكاسها علينا.. وانتقالنا من مرحلة الابن إلى اليتيم.. أو الزوجة إلى الأرملة.. أو الأعرج أو الأعور.. إلخ. ودائما ما نتخوف من الفقد الجزئي أكثر من الكلي، فنفضّل الموت في حالات كثيرة، بدل أن نعيش معاقين أو مقعدين.

رغم ذلك كلّه، لا زلت أتساءل داخلي: ما رابط الموت بك؟  وكأنك كنت الحاجز الذي سيقيني مساسه إن أتى! رغم أنّك كأي شيء آخر قابل للتجدد والانتهاء، للبوح أو الكتمان، للتذكر أو النسيان، ورغم أن الله خلق من النساء ما يزيد عن حاجة الرجال أنفسهم. إلا أنك تنتقلين معي كأي حقيبة سفر تلازم مسافر ما، أو كما تنتقل صورة من خلف شاشة إلى ورق أو إلى قلب.. تتجددين داخلي كأي هُوية، ومع كلّ عام جديد، هجري أو ميلادي، يحتفل القلب بك، من جانب تكثر الصلاة والأدعية، ومن جانب تُضيء الأشجار ويتتدافع الفرح هكذا دون دعوة مثلما يحدث في أي عيد مع أيّ طفل.

لسنا كالمرايا للأسف، فنحن نتعب من كثرة الوجوه، ومن أن تُنصّب  فينا القلوب – أو نُنصّب فيها- أوتاد الخيام، لأننا نتذكر الأشياء مرارا وتكرار، وبتفاصيلها أحيانا، وننسى أنّ تراكمها اللامتعمد واللامرغوب حدوثه في القلب عبئ لا تتحمله العواطف ولا تقدم العمر، فللعواطف القليلة حاجاتنا الكثيرة المتكررة لها، وللعمر الآتي شيخوخته ومتاعبه. ورغم ذلك لا نكفّ عن تجديد الوجوه ولا عن الترحال، ولا عن الحياة كذلك.  وننتظر مطرا ما يروي ظمأ أراضي التشرد والتيه فينا.

أكرر.. لا أعرف حقا للموت طعما..

ولكنّي بدأت أراه بوضوح بعدك.. كأي شيء آخر قابل للتذكر أو النسيان، كأي جرح قابل للنزف أو التضميد، كأي وجه قابل للحب أو المرور خفيفا، كأي حلم قابل للتفصيل أو التغييب..

ومع كل هذا التكرار اللامعدود، وهذا الوضوح اللامحدود، أمتنع عن تقديم نبأ وفاتي فيك. ولا عن تعزية القلب عنك. أكتفي بترسيم الحدود بيننا، وبوضع أحزمة ضمان بقاء كلانا بعيدا عن الآخر، دون الحاجة إلى نعي للمشاعر في جريدة صباح الحياة أو مساءها، ودون رثاء ما تبقى من المشاعر أو ما اغتيل منها. ودون الحاجة إلى لعن أحدنا الآخر.. ودون الحاجة إلى معرفة الجاني من المجني عليه.

فقط أكرر: رغم كلّ هذا المُــوات اللامنتهي بعدك، لا زلت لا أعرف للموت طعما، لأنني أتنفس، ولا بد أني أتكرر في مخيلة أحدهم، وأتناسل دمعة أو بسمة أو أي شيء لا يُذكر..

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s