عاديٌ هذا النزف …3


عاديٌ هو الاحتفال بتفاصيل غياب الآخرين، تمتلئ بالضجر وأنت ترقب فراغ المقعد قُبالتك.. وحدها حقيبة السفر تقتنص عصافير وحشتك.. يعتذر الغياب برسالة “sms” ، تقرأ تفاصيل انشغال تعوّدتها قبلا ” ضيوف في بيتنا” “أخي أصرّ  على مرافقتي” “أمي مريضة”، تترك الأعذار وتجرّ حقيبتك.

وفي المطار…

الغياب يحضر في كل الزوايا والأروقه.. تشاهده في ابتسامة مصطنعة لمضيفة تتصفح أوراق هُويتك، أردت أن تقول لها :هذه الأوراق مُزحة، لا اسم لنا سوى الغياب! لكنها تأخذ حقيبتك.. وتُعيد إليك أوراقك..

توزّع نفسك كبقية المسافرين… صامت على كرسيٍ تعوّد – بضجر – أمثالك من البؤساء.. الوجوه رمادية بطبيعتها، لا ملامح لها أو مشاعر تعبرّ عنها..

يداعبك الغياب: ألا تُطيق فراقي؟

فيسقط الضوء من كفّ امرأة صامتة تداعب خصلة تسقط على جبينها، فتُحِيك للغياب فتائل سهو من نسيج ذكريات غير متين، وتُردّد: كم أكرهك، ولكنّي أخشى سياجك إن تجاوزتك..!

تلتقط كوب قهوة وترمي نبال حسرتك: ليته ما كان قد خلق السفر…! يكسر صعود الأمنية صوت داخلك: ولكنّي أحب السفر.. هو العالم الذي أتمي إليه.

يهبط السائل الأسود ثقيلا كالمرارة التي تذوقتها، تُكمل بتذمر: كم أكره المطارات التي تودِعنا كأي حجر يفارق جبل إلى تراب أو جبل آخر.كم أكره الذي اخترع فكرة المطارات. فيعاود الصوت داخلك كنس شظايا تذمرك: ألَم تقُل بأنها الأرض الوحيدة التي تنتمي إليها؟!  لكنّها المرأة الصامتة نفسها تنشغل عن هذيانك الحميميّ بسيجارة لا دخان ولا رائحة لها، تماما مثل حزن المسافر الذي لا يفارق، فيدهشك هذا الارتباط المعقّد، وتخشى على نفسك من داء اللغة وهذيان الفرضيات، فتصمت.

تَدْعَك أصابع الحنين جفن الذكريات لتطرد نعاس حاضرك.. يغلبك النعاس، ويغيب ما تحنّ إليه.. تلجأ للمرايا فلا تسعفك، ورغم أناقتك التي تفاجأت بها وأنت في زيٍ آخر لا تنتمي إليه، إلا أنك تجاهلت صورتك وأنت ترشّ وجهك، وتقبع خيبة في العمق إثر وجه تعهّده الفقد والوجع.. لا تبالي بما داعبته أصابع الحنين، ولا بنداء الركّاب لرحلتك المقبلة/الفائتة.

تداري هذا المدّ المتدفق من الحزن فتودّ كبته ولكنّك عاجز حتى عن حبس دمعة باغتتك لمجرد إحساسك أنه لا أحد يفتقدك، وأن ريح العطر في عباءة حبيبتك يلاحقك شذاه كلّما لمحت مقعدا فارغا..! كنت تعلم حينها، أنك امتلأت بغيابات كثيرة لا تعرف لها تعريفا واحد.. ترتمي لمقعد ما.. وتتفحص المشاعر داخلك بتؤدة وبطء، والمدّ تتدفق جحافل حزنه دون رأفة..

“الغياب هو اعتذار المحَّبُ للمحِّب عن عدم الكفاية، أو عن نقص في القناعة.. هو حسرة تنبت في قلب عاشق, لكلمات تهوي في الأعماق، فلا الطُعم مغرٍ ولا الصيّاد ماهر..هو خيبة في المعنى لحروف كلمة ساحرة، وفقد الحنين ثقته بالذاكرة إثر جولة استحضار عاثره..”

“الغياب جرح إن لا مسته يُوجع، وإن ضمدته ينزف، وإن داويته يتسّع.. تماما كبؤس تحاول تجاهله بقراءة ابتسامة مترفة الضحك، فتدفع فاتورة ما قرأت، ويزداد ثقل ما تجاهلت.”

“الغياب سياج شائكة، هو غصن مزيّن بالشوك لوردة اسمها لقيا أو وصال. هو سور مطرز بقطعٍ زجاجية حادة التجريح لبستان ليمون ونخل وتين، هو الهاوية التي تفصلك عن قلب ملتوية أحشائه بأضلعك..”

“هو الحضور المسجّل باسم مفقود.. ومكتوب بلغة مجهولة” فلو أن الفرح ينبت نخيلا على بلد ما، لنبت الحزن غاباتا في بلد آخر..تسأل صمتك: أي أرض هذه التي تقبل في أحشائها بذور البؤس، حتى ترعى نباتاته حزنا وارف الظلال باسق العلوّ..ونسيت وربما تناسيت، أن الصمت هو غياب الأغاني والكلمات وتوهان الأجوبة، وتجاهلت أن الصمت غيابك الخاصّ الذي تنتمي كل جارحة فيك إليه، وأنّ الحواس التي تتنزه عند انتصاب الغروب في مساحاته الشاسعه، ما هي إلا ارتباك الوحدة وتمرّد الحنين واحتفالك السريّ بفجيعة الفقد…”

تكتفي من التدوين.. تعلم أن البحر عميقا جدا ومثلك لاخبرة لهم في العوم.. تمزّق الورقة، وضوء المرأة الساقط من كفّها ما زال يهتزّ دون أن تهتم هي به.

يلسع شرودك نداء امرأة عميق الهدوء صوتها كوقع رذاذ، منبهة الشاردين الغافلين إيّاك بوقت رحيلهم، وكأن المطار هو الآخر يقول لك بتهذيب: وقتك بين أحشائي انتهى، اخرج وافسح لقادمين آخرين..تنتبه للمرأة الجالسة قبالتك.. لم تجدها، كان الضوء الساقط من كفّها بدأ في الخفوت، ودخان سجائر لا رائحة له يرعى ذهولك.

 

Advertisements

2 thoughts on “عاديٌ هذا النزف …3

  1. No Pulse
    النص رمادي جداً .. يتساقط كتمايلات وشاح أحمر معقود في ناصية بالصحراء يحركه النسيم بلا صوت
    النص شااارد جداً
    النص هو حركة أخرى لعمق يلتزم قلبه وهو بالسفر

    رائع

    • الدختورة صفااااء..
      يا لجمال وقع أثرك هنا…
      أتمنى وجودك دائما
      مودتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s