كرة القدم وأنا


كنت دائما ما أحلم أن أكون مارادونا الجديد، أو  كانتونا، أو ربرتو باجيو، لذلك كنت كلّ مساء أمسك بكرة مطاط صغيرة نسميها “كرة عنبر”، وأذهب لصالة بيتنا، فأرمي بها على الجدار حتى ترتد، ثم أوقفها بقدميّ اليمنى لأرفعها إلى صدري كي أعيد وضعيتها فأسددها في أي زواية أشاء، ولكن الكرة كانت كلمّا ارتدت، إمّا أن تتخطاني، أو تصطدم بجسدي دون قدمي، فلا تكتمل وضعية التسديد التي أريد، فأعاود الكرّة تلو الأخرى، ولم أكن أفلح.

صيف 1990، أوّل صيف أقضيه في مسقط، وتحديدا مساكن دارسيت للشرطة،كان وقتها كأس العالم، وجنون مارادونا والأرجنتين –كنت أسميها الأنرجنتين- كان قد أصاب الكثير من الصبية غيري، وصحبتي الجديدة مع صبية أهل الحيّ هناك، عرّفتني بالمسلسل الكرتوني “الكابتن ماجد” الذي  يُعرض على قناة “الإمارات”، التي كانت تظهر معهم دون “ستالايت”، الذي لم يٌخترع بعد حينها، أو لم يصل بعد. فهل أكثر من ذلك تعبئة؟

منذ ذلك الوقت، وانا أتابع أخبار مارادونا ودموعه ومشالكه وخيباته، و أجمع صورا للاعبين، وملاحقا رياضية.. غير ذلك من الأمور التي أصبت بالهوس اتجاهها، في حين أنّي لم أتخلى عن تدريباتي مع كرة “العنبر”، التي كلما كان يلحظني أبي أرمها على جدار الصالة، يكتفي بهزّ رأسه ويمضي، أمّا أمي فكانت لا بد أن تذكرني بدروسي التي أهملتها، والرسوب الذي سأجنيه بسبب هذا الإهمال. كل ذلك، وكرة “العنبر” تستمر في تخطيها لي حتى أتعب، فأخبئها بعيدا عن أمّي وأنام.

وإذا صادف أن يكون اليوم التالي فيه حصة ألعاب، أستعد لها مسبقا، وأكثف من التدريبات، ثمّ إذا ذهبت لفراشي، أكون قد لبست الجوارب قبل النوم، حتى لا أتأخر في البحث عنها في الصباح الباكر، مما يؤدي إلى إغلاق باب المدرسة، بالتلي عدم حضوري لأية من الدروس، خاصة حصّة الألعاب!!

ويأتي اليوم الموعود، الذي كان يتكرر مرة كلّ أسبوع، ونبهان ينتظر بفارغ الصبر انتهاء الحصص، حتى تأتي حصّة الألعاب، وتأتي؛ وقبل أن يأتي أستاذ الرياضة، نكون جميعنا قد استعدينا بخلع دشاديشنا، كان بعض الطلاب يحب يستعرضون قمصانهم، يفتخرون حينما يلبسون قمصانا تنمتي لمنتخبات عالمية، وأن يكون القميص يحمل إسم لاعبا ما مثل “بابان” و “كانتونا” و “مارادونا” و “روماريو” إلخ.. وحين نهبط لملعب المدرسة، كنت أقف طويلا حتى يختارني أحد “الكباتنة” الذين نعيّنهم نحن من أجل قيادة كل فريق، وكل سعداتي أن أنضم للفريق الذي يقوده “وليد عطيّ” –أصبح لاعبا في المنتخب الوطني للشباب ثم الأول- ، ولكن وليد لا يختارني، ولا الآخر يفعل، فأنتظر حتى يفرغوا من اختيارهم، فيتم تقاسمي ومن معي كضربة خظ!!!

ويبدأ اللعب، كل شيء في الملعب أصطدم به، التراب واللاعبين والحصى، كلّ شيء، إلا الكرة، كانت مثل كرة “العنبر” إذا ما اتجهت إليّ تتخطاني سريعا.. فتنتهي حصّة الألعاب، إما فائزون أو منتصرون، نعود لصفّنا، وآخرون يلومون آخرين أو يضحكون على آخرين أو يفرحون بفوزهم، وأنا كنت من “المضحوك” عليهم، فلا أبالي، بل كنت أعتبر “استهزاءهم” بي وبقدراتي التي لا بد أن تظهر يوما ما، كصراخ أمي عليّ وأنا أتدرب بكرة المطاط، فأعاود التدريب مساء، علّ ما قد ظهر في المدرسة لا بد أن يظهر في ملعب الحارة، ولكن ما يحدث في المدرسة، يحدث في الحارة، انتظار طويل.. دون أن يختارني أحد، ثم توزيع حسب القرعة أو كيفما اتفق قائدا الفريقان.

بعدها بقليل، ظهر “سيف الحبسي”، و”عبداللطيف نصيب” و”الطيب عبدالنور”، وتجددت معهم الآمال، فكنت أحلم بي وأنا أقود هجمة ضدّ الفريق الآخر،أرتدي قميصا لونه أحمر كتب خلفه “ALHANASHI“، والجمهور كلما لا مست قدمي الكرة يهتف باسمي فيهتز الملعب، ويدخل في قلوب فريق الخصم الرعب مني ومن هجمتي الخطرة، فأسدد كرة مثلما يفعل “الكابتن ماجد”، أستقبلها بصدري ثمّ أسددها قوية، ينخلع على إثرها قفّاز الحارس، ويتمزّق شباك المرمى،  لكن انتظاري ازداد مع مرور الأيام، والكرة استمرت تتخطاني!

وحدثت بعدها المفاجأة، أحد المعلمين الذي يعلموننا في الابتدائية، واسمه “محمد زايد” كان لاعبا في  المنتخب الوطني، مع الحبسي والطيب وآخرين، يُدرسنا مادة “الدراسات الإجتماعية”، كان لاعبا كذلك في فريق العروبة، فازداد في القائمة عشق جديد، انضاف بجانب اسم “مانشستر يونايتد” و “ريال مدريد” نادٍ عماني، اسمه “العروبة”.

إلى اليوم..ما زال هتاف الجماهير يلاحقني وأنا أستقبل الكرة بصدري ثم أسددها بقدمي، حلم ظلّ يمتد حبل خيابه، وتكبر حسرة ترعرعه في خيالي فقط!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s