عاديٌّ هذا النزف.. 2


يتدافع الألم لحظة إحساسك  بالفقد..

تُحس أنّك تائه لا تعرف عمّا تبحث ولا عمّا تريد، فتمارس بعض عاداتك التي تُحِب، علّها تنقذك مما أنت فيه، فلا يجدي شيئا..تستمع للموسيقى التي تحب، تردد الأغاني ولكن لا فائدة.. كأنك في غير المكان، أو أنك غير الشخص الذي كنت.

تبحث عن وجوه أحببتها.. شخصيات كثيرا ما اتكأت على مميزاتها لتصنع مميزاتك، فأول ما يتبادر للذهن: المدرسة!

تعبرك ابتسامة رضى واطمئنان، تتصفح في وجوه الأصدقاء.. بل تنعطف لحواري أكثر إشراقا: وجوه معلميك! تستقدم الوجوه بملامحها، منهم من تذكر اسمه ومنهم من تكتفي بتذكر وجهه لا غير.. تنطفيء الابتسامة بخيبة حين تتذكر أنك قبل فترة التقيت أحدهم.. ولم يتذكرك!!

تتذكر كيف كنت تحاول تذكيره بك، بدءً بذكر السنة والمرحلة والصف، تُدهش لتذكره القليل من التفاصيل الدقيقة جدا، كـ ” الطاقية” المتسخة لزميلك المتفوّق الذي يجلس أمامك، ودشداشته الغير مكوية دائما، والطاولة المنحرفة دائما عن الصف بقرب باب الفصل التي تعوّد الأستاذ أن يلكز بعصاه الناعمة الملساء زميلك الطالب الذي يقتعدها لكي يعدّلها، بل والطاولة السوداء الشاذة عن بقية ألوان الطاولات الأخرى، والتي كان زميل لك كلما أتى صباحا للفصل ولم يجدها، يجدّ في البحث عنها حتى يعيدها، تُدهش لكل هذه التفاصيل التي غفلت عنها، وتراها أمامك واضحة جليّة وكأنها شيء حدث في الأمس القريب. بل تتذكر طعم وقع العصا عليك أحيانا لــ “شرودك” اللامبرر حين يباغتك المعلم: “أنت يا ولد، كرر ما قلته عن هذه المسأله؟”

ولكنّه رغم ذلك لم يتذكرك، لم تحزن وقتها أنّه لم يتذكرك لأنك بلا موهبة أو غير متفوق، بل لأنك كنت بالنسبة إليه عاديا جدا، كأشياء كثيرة من نوعها متعدده، لا يهتم المرء بالتركيز عليها لأنه سيجد مثيلها بالتأكيد.. وحين لمح “المعلم” الخيبة على وجهك قال متداركا كالمعتذر عن قبح ما : إنك تحدثني عن 15 عاما مضت، أين نحن من ذاك الزمان يا بني” تتركه وأنت تشدّ على يديه وكأنك تُريد استرجاع شيئا منها..

مذ ذاك اللقاء وأنت تتجاهل الالتقاء بأيّهم، حتى اللذين يتذكروك منهم، كنت تخشى أن تكون عاديا كأي عابر سبيل ما، تسقط من ذاكرتهم بمجرد أن تختفي من أمام أعينهم..  ينتقدك أخيك للتجاهل أو حين يراك تتكاسل رفع يدك للتحية، فينهرك: “هذه قلة أدب” لا يشعر بألمك فلا تُجبه.

آه من الحنين، ياله من كائن قاس حقا؛ هو الدرب الضيّق بغابة لا مظلمة ولا مشرقة – تماما كرماد أو كفجر عجول-  ذو أشجار مقطوعة الظل وأشجار عارية لا يزورها النسيم ولا يقع الطير على أغصانها. تسري في البال فكرة ما لا يكتمل مغزاها، ولا تتوائم مشاهدها، فتقفز  قصيدة كنت تعتقد أنك تدربت جيّدا على عدم تذكّرها، ولكنّها واضحة كالنهار.

تنادي الشتاء داخلك أن يتوقف عن التدفق، تهمس لقرصاته: تكاد شرايين القلب وأوردته أن تتقطع من لفحاتك، هلاّ ترخي عليّ ستار دفئك. لم تنتظره يجيب، تفتش في الذاكرة العطبة عن وجه تفتقده بشدة الظمأ ذات ضهيرة حارقة. أو عادات تعوّدت ممارستها، ولم تعد تمارسها. حتى تَسلى ولكن.. هناك مقعد فارغ لا يمتلأ في الذاكرة.. وصوت صامت لا ينطق ووردة ذابلة لا أريج لها.. تهدهد جرحك: ياليتني ياليتني… عشت وحيدا ليتني… يا ليتني ياليتني.. ماقد هويت أنا ليتني..دون أن تعي اهتزاز الموسيقى في الحروف، لكنّ الوحشة طفل لا يكفّ عن البكاء ولا يكتفي من الصمت.. وغرفة مظلمة مكتظّة بأسرة باردة.

 

 

Advertisements

One thought on “عاديٌّ هذا النزف.. 2

  1. نستحضر ملامحهم حين يعصف بنا الحزن
    ويأخذنا الحنين حيث لا .. ندري ..
    نحسب أنهم .. كنحن
    محتفظين بهم في أعماق … الذاكرة
    نبعثر صور الجميع إلا .. هم
    فقط لكيلا يغادرونا يوما
    ولا تضيع ملامحهم في منتصف الطريق إلى .. اللاشيء !
    وحين نكتشف ذات/ لقاء بأنهم لم يبقوا على شيء منا بداخلهم ..
    نركن إلى الحزن ونتناسى .. الحنين !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s