عاديٌّ هذا النزْف


لا يا صديقي.. هذه المرة أنسحب..

تعتقد أنك مستثنىً من كل شيء.. تعتقد أن دورك في الحياة هو التفرج والكتابة، وأن كل ما تشاهده ليس بالضرورة تعيشه، وكل من تكتب عنه لا يعني أنك تعرفه، ولكن هيهات، أسلِم راكب البحر من البلل؟

يفوقك الوجع.. بل تغزوك نباله حينما تكتشف الحنين قد استعرّ بداخلك كلما تجولتَ قليلا في مراعي الذاكره… يفوقك الوجع حينما تقف أمام المرآة وترى شرارة الشَعْر الأبيض قد ابتدأت في ذقنك أو رأسك..!

تكسرك الخيبة بقسوة.. حينما تضغط أصابعك على رقمٍ ما، ولا يجيبك الصوت الذي تنتظر أو تتوقع.. ويأتيك الخبر عاديا أو باردا كشاي تأخرت عن شربه : فلان مات… فلان سافر.. أو بكل بساطة: المعذرة، قد تغير صاحب الرقم. تكسرك الخيبة لدرجة عدم التعافي من قليل المشاهد التي تتكرر عن لحظة سبقت. تستعد لحظتها للعفو والمغفرة.. تندهش من كل هذا التسامح أنه يسكنك.. وتستغرب تأخره! تبحث في هاتفك عن آخرين أقصيتهم اختيارا لا اضطرارا.. والآن تُرجعهم اضطرارا.. ولكنه المشهد السابق نفسه يتكرر. إلا من يبكي النداء له ولا يجيب.. ربما لأنه لم يتعرف على الرقم.. أو أنك في عداد المجهولين بالنسبة له.. فيمتدّ كسر الخيبة.. ويزداد وجع الفقد.

لست مستثنىً يا صديقي عن شيء، العمر قافلة تمضي ولا تنتظر.. وما يؤلمك حقا.. أن تجد نفسك وحيدا.. بعيدا عن كل شيء.. تخليت عن الصاحب.. والقريب والحبيب، تكره المتنبي حينها..تقول في داخلك ” من قال أن الكتاب خير جليس”. لم تعد الخفّة هي نفسها فتوقف سيارتك بجانب طريق ما وتقضي الباقي مشيا.. ألَم الرُكب يمنعك حتى من إطالة الوقوف.. وحين يُدهشك أحدهم ويقول ” الروماتيزم” تصطنع التبسم وتجيب ناكرا ” لا أبدا، مجرد تعب لا غير من كثرة المشاوير” .

يتوسع الوجع في مداركك حين تعلم أن من حولك سبقوك في المال والبنون، وأنت ما زلت شاهرا سيف الكتابة في زمن ليس فيه من أحد يقرأ.. لا تجيد إلا صفّ الكلمات ورسمها.. في زمن سيطرت فيه لوحات المفاتيح على كل الأصابع، وألغت القلم والورقة.

يتمرد الحنين عليك، حينما تودّ أن تُمرغ عينيك بأماكن تعشقها، بل أماكن  لا تبحث فيها إلا عن ذكريات فقط، أحبة التقيتهم، أو ساكنتهم أو امرأة امتهنت طواف الأمكنة لأجل أن ترى عينيها فقط، فتجد أن الشوارع المعبدة قد التَهَمت الأماكن، أو بناية ضخمة قد ألغتها، أو أن القديم قد هلُك واستبُدِل. يتمرد الحنين ويشتدّ عقده حتى ينقطع وتنفرط حبّاته..  تجد نفسك حينها وحيدا.. وأن الذي تخشاه قد مسّك.. وأنك – يا للدهشة- لست مستثنىً من شيء.

أنت احد ركاب قطار القروض البنكية الذين نادرا ما يغادرونه.

أنت أحد جماهير الكرة الذين لا يمارسون الرياضة قط.

أنت أحد عشّاق الأرجيلة الذين لا يختنقون بدخانها.

بأي حق كنت تعتقد نفسك مختلفا عن غيرك، وما هذا الاستثناء الذي توهّمت به. الآن فقط، تحسّ أنك مستعد للتحالف مع أي شيء ينتشلك من خيبتك. الآن فقط ترى أن الموسيقى ليست أفضل من أصوات الآخرين وثرثرتهم. توزّع نفسك في المقاهي، ولا تضع سماعات الهاتف.. تذوب في الأصوات واللهجات واللغات.. الآن فقط تستيقظ من سبات طويل لا تعرف عنوانه ولا معناه.. تكتفي أن تعترف بالخيبات داخلك.. ولكنك وحيدا يا صديقي.. وحيدا جدا.. لدرجة أنك تستطيع أن تعد فيها نبضك!!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s