هل هي جمعية لحماية المستهلِك… أم المستهلَك؟


لقضايا الأمة العربية أشكال متعددة من الغرابة، منها ادّعاء البحث عن الحل دون الوصول إليه، وعدم معرفة سبب نشوء المشكلة، لتجنبها في المستقبل، وتجاهل السلطات الرسمية التدخل في رقابة الأسواق المحليّة منعا لأية تجاوزات مغرضة هدفها مثلا التقليل من حضور التاجر البسيط جدا في أواسط اتخاذ الحل.

لذلك، ترى في الدول المتقدمة، والتي نتعلّم أو من الواجب التعلّم منها كيفية إدارة أزماتنا وتطوير خدماتنا، وتصميم مدننا وترقية وسائلنا. ذلك أنّ من سبقنا في التجربة كان له حقّ الريادة فيها ما دام أنّه قد نجح فيها وتميّز، وقديما قالت العرب : قد خاب من لم يستشير. ونحن كمسلمين، أمة تستمد شرائعها وقوانينها وضوابطها من دستورنا العظيم، أعظم الكتب المنزلة والمحفوظة من فوق سبع سماوات، وهو القرآن الكريم. فكيف ابتعدنا عنه، وتجاهلنا تجارب من سبقونا؟؟

سمعت عن جمعية “حماية المستهلك”، التي توقعت منها كل الخير فيما يخصّ أسعار السلع ومراقبة السوق، ووضع حد للتجاوزات و رسم الضوابط وخريطة الطريق للسوق المحلية العمانية، حتى يستطيع المواطن العماني أن يأمن أن هناك جهة تحميه، وأن دخوله السوق غير محكوم لا بدهاء التجّار، ولا بخديعتهم ولا بطيبتهم وكرمهم، إنما هم سـ “يتقون” وجود جمعية قوية مكينة، تعزّز كل شروط ومقوّمات الأداء للسوق المحلية، بدءً بـ الأمانة وانتهاء بالالتزام.

فأتت أزمة ما عرف وقتها بالتضخم الاقتصادي، وارتفعت أسعار كثير من السلع، منها الرز والطحين والزيت والسكر والملح، والإسمنت والحديد و و إلخ،طبعا كالعادة، الصحافة بعيدة عمّا كان يحدث، وأدرات ظهرها لمعاناة المواطن، وحاول المواطن أن يصل بصوته، فقيل أن الأزمة عالمية، وأن ارتفاع النفط أضطرّ السوق للارتفاع، خاصة وأن الرز والسكر وغيرها من المواد الأساسية تأتي من بلدان مستوردة للنفط، وارتفاع قيمة النفط دفعها لرفع قيمة صادراتها كذلك، مرورا بارتفاع سعر المشروبات الغازية، ووقوفاً عند أزمة “الطماطم” التي أشعرتني بمدى هشاشة مصداقية الجمعية، التي يبدو أن رئيسها وأعضاءها في سبات أو في شغل عمّا يعيشه المواطن ويعاني آفاته وأضراره.

في موقعها الرسميّ، يقول رئيس جمعية “حماية المستهلك” أن الموقع هو ” منارا للتوعية والإرشاد”، وتجد أحد روابط الموقع عُنون بـ “حقوق المستهلك”، التي تفرعت لثمانية حقوق، ما يهمّني منها هو :الأمان والتعويض والاختيار والعيش في بيئة صحية. ولنبدأ من الأمان، الذي بالتأكيد فقده المواطن منذ مسلسل التضخّم الاقتصادي، الذي أعلن في مؤتمره عام 2008، أنّ ليس لدى الحكومة نيّة في زيادة رواتب المواطنيين بسبب التضخّم، ذلك أن هذه الأزمة زائلة وليست مستمرة، وقد تحقق كلام مكّي، ولكن ليس كما توقع المواطن وانتظره، فكيس الطحين الذي كان يأخذه بـ 1.100،ارتفع لـ 2.500 ثم هبط واستقرّ عند 1.750-1.900، وكذلك الأمر لباقي المنتجات، خاصة الرز، الذي كان المواطن يأخذه بما قيمته 8 – 14 ريال، لكيس يزن حجمه 45 كجم، فأصبح يوم الأزمة بين 25- 40 ريال لكيس يزن 40 كجم، وغيرها من المنتجات، غذائية كانت أم استهلاكية كالاسمنت والحديد والطابوق.

غياب الرقابة والعقاب، شجّع كل تاجر ذو نفس خبيثة –ويا كثرهم- على التلاعب بأسعار السوق، مستغليين الشعارات البرّاقة للمؤسسات الرسمية ذات الصلة المباشرة واللامباشرة، “السوق الحرّة” و “حرية المالك” و “تنوّع السوق المحلّي”.. فما الذي يمنعهم من وضع أموالهم في الشوارع كذلك بحجة “أمان البلد وطيبة أهله”؟؟؟

الشرّ إذا فُتح له الباب، صنع له أبوابا عدّة.. فالفساد سرطان، إذا أُهمل استشرى وأصاب جسد مضيفه كلّه. وهذا هو حال الجشع الذي يسيطر على قلوب التجّار والملاّك وأصحاب العقار، فأين “جمعية حماية المستهلك” من كل هذا؟

أمّا الاختيار.. نعم، للمستهلك حقّ الاختيار، ولكن أينها من إغواءه بإعلانات المنتج الأوّل، أي المنتج المحليّ، الذي تجد ملصقاته في كل زاوية، وإعلاناته في كل إذاعة وقناة وجريدة، لماذا تجاهلت الوقوف على مواصفات الجودة والأفضليّة لهذه المنتجات، التي ارتفعت أسعارها دونما مبرر، وأقول دون مبرر، ذلك أنّ المنتجات أو السلع الخارجية تم ربط ارتفاعها بارتفاع النفط، الذي هوى للحظيظ (وصل في فترة ما لـ 35 دولار) ولم تهوى معه أسعار السلع. فما حجة المنتج المحلي في الارتفاع، مادام أنه “وطنيّ”، طحينٌ كان أم حليب أم دجاج…إلخ.؟؟

وفي ظلّ هذه االتجاوزات التي يدفع المواطن ثمنها مستسلما، ذلك انه أمِن للجهات الرسمية واستأمنها على ما يدخل الجيب وما يخرج من الجيب، فهل التعويض حقا وارد في تعويض المواطن، ما دامت الجمعية أدرجته أحد الحقوق المتعلقة بالمستهلك؟. أجيب أنا، لا أعتقد، لماذا؟ لأن التعويض هنا لا يتجاوز شراءك لبضاعة ما إذا ثبت أنها عاطلة، فلك حق إرجاعها، هذه السياسة متبعة مع المجمعات التجارية الكبرى فقط، وليس مع الكل. وأقرب مثال هو وكالات السيّارات، التي تعب المواطن من تحايلها وتعللّها وتهربها.

أما حق المستهلك ان يعيش في بيئة آمنة، فهذا ممّا بالغت الجمعية في إدراجه كحق من الحقوق، ذلك أن مشكلة كـ “التلوّث” التي يعاني منها المواطنين الذين يسكنون بجانب المنشآت الصناعية الكبرى، بدءً من ساحل الباطنة الشمالي إلى قريات، غابت عنها الجمعية، ولم تبحث فيها ولم تنصر حتى متضرريها، فكيف بجمعية وظيفتها الأساس حماية المستهلك تجهل ما يُعانيه؟؟

أما أحد الحقوق، فهي التوعية، فتعتقد أنّ الجمعية ستغزوك بملصقاتها الإرشادية والتوعوية، من مخاطر استخدام المنظفات الصناعية إلى المستحضرات الصحية والطبية وبعض المنتجات الغذائية.

أزمة “الطماطم” ليست هي الأولى، فحدوثها ومرورها دون الوقوف على أسبابها ومعاقبة المتسببين بها، دافع لحدوث غيرها، ربما تكون في البصل أو الليمون. ذلك أن جسّ النبض الذي افتعله التجّار المورّدين سواء من السوق المحلية أو الخارجية، أنبأهم أن العباد والبلاد لا حارس عليهم ولا لهم الأمان في أسواقهم، وأنّهم إن عاثوا في الأسواق فسادا، فالعقاب ليس وارد.. وأن المواطن أبعد ما يكون من حلّ قضيته أو حتى اتخاذ وقفة احتجاج على الوضع الذي يعانيه.

فهل هذه الجمعية أتت لتحمي المستهلِك.. أم لحماية المستهلَك، وإن كانت الأولى، فممّا تحميه؟ ولماذا نفتقدها وسط كلّ هذه التداعيات، أم أنها برئيسها وأعضائها ليسوا من المستهلكين؟؟

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s