هل أنصف الجماعة.. الإخوان؟؟


“بلدنا ممتلئة بالفئران، وحينما تكثر الفئران في بلد، فاعلم أن الطاعون يدقّ أبوابه”.

“التتار أمسكوا بدل السيوف فلوسا، وفلوس التتار تقطع الرقاب”

“إن الهدف الأساس من الجماعة، أن تكون هي الحزب الأكبر والأقوى”

“الحكومات تصنع آلام الناس، والأحزاب تتاجر بهذه الآلام، ولكن ليس هناك من أحد مع الناس”

“هناك الكثير من جماعة الإخوان، ولكنهم لا يعلمون عن حسن البنّا شيئا”

“حسين علي هارون شحاته.. حارة منتصر المتفرعة من حارة عبدالجليل المتفرعة من حارة مسعدة أم الخلفين ..شارع عكاشة…أسطبل عنتر… جبل المقطم”

إذاً..فعلها مسلسل “الجماعة”.. والحال قبل عرضه..ليست هي بعده. فالمحاكم المصرية تضج بدعاوى ضد المؤلف ووزير الإعلام بل والحكومة نفسها. ذلك ان العمل الذي استعرض تاريخ لأهم الجماعات الإسلامية “الإخوان” في تاريخ الإسلام الحديث، لم يسلم منه لا المؤسسة الرسمية ولا المجتمع ولا الأحزاب.

ممّا لا شك فيه، أنّه شكل ضربة لـ الإخوان، قبيل انتخاباتهم المقبلة، ولكن لا علم لي بنوايا المؤلف والسينارست “وحيد حامد” إن كان تعمّد ذلك أم لا، وسبب وجود أكثر من جزء للعمل، والذي أعتقده سيخصص في جزءه القادم بين عصرين، 2008 وسيرة الجماعة في عصر جمال عبد الناصر.

العمل بحدّ ذاته فريد جدا، وتحشيد ذلك الكم الهائل من النجوم الكبار والشباب، أثبت حقا للناس، أن القضية لا تتعلق بعمل دراميّ بقدر ما هي تخص تاريخ مجتمع وقصّة كفاح ونضال أفراد بأعينهم، وأن الحقيقة التي سمعت وقرأت ليست هي نفسها بعد هذا العمل. وأن التنظيم الذي بلغ عدده على أيّام البنا نفسه نصف مليون شخص، تضاعف عدده وازدادت حضرته وقويت شوكته. لكن هل أنصف العمل الجماعة؟ وهل ما تم تقديمه من تاريخها الجديد والقديم، ساهم في تحشيد مشاعر الغضب والكراهية ضدّها، أم جذب المزيد من التعاطف لها خاصة بالطريقة الرائعة التي خرج بها المخرج من الحلقة الأخيرة للجزء الأول في حوار بين البنّا وأحد أعضاء الجماعة:

البناّ: لو يعود بي الزمن، لتركت هذا الأمر وتفرغت لتدريس 100 طالب في الدين لوجه الله تعالى.. لو يعود الزمن!

أحد الأعضاء: ولكن الزمن لا يعود يا مولانا.

البنّا: نعم..نعم.. لذلك خلق الله الندم..لذلك خلق الله الندم.

“ما أشبه الليلة بالبارحة”.. خروج من المشاهد ودخول إليها كلّها تتماس في نقطة واحدة، سجن الإخوان، ومصادرة أموالهم.فعمليات المباغتة والهجوم والترصّد والرقابة، ماهي إلا تصوير لحال الجماعة اليوم، التي رغم تكرر صداماتها الدامية مع الحكومة، إلا أنها مازالت في تزايد وتنامي غير مرصود العدد.

“الجماعة” عمل شكّل ضربة قد لا تكون القاضية، ولكنها لا شكّ مؤثرة، خاصة وأن “مصر” مقبلة على انتخابات نيابية ورئاسية كبرى، ورغم أنني لا أشكك في نوايا “وحيد حامد” الفنيّة والثقافية، إلا أن استمرار العمل ومواصلة عرضه في جزء آخر، سيشكل تهديدا لها أكبر من الاعتقالات التي تقوم بها الحكومة ضد عناصرها الآن، ذلك أن العمل انتقل بالجماعة من مجرد “تجمع ديني إصلاحي توعوي” إلى حركة مناهضة ومناوءة ومعارضة بالقول والفعل. وأنها في حربها هذه، لا بأس أن تبيح المحظور بحجة الضرورة، ومن هذه المحظورات قتل الأبرياء.

الإخوان يقولون أنه تم التجني على شخصية البنّا بتقديمه في ثوب الرجل “الانتهازي” و “الاستغلالي”، وأن التحقيقات التي تجري مع أعضاءها الوقت الحالي، لا تتم داخل المكاتب، ولا في حضرة الشاي والوجبات الخفيفة، إنما تحت ضرب السياط والضرب والتعذيب. ما تصددت به الجماعة وما صرّحت به، لا ينفي حقيقة أن العمل قدّم تاريخ الجماعة دون تحريف، ودون إضافة أو تزوير. كما لا ينفي أبدا أن شخصية “البنا” وكما قدّمها العمل، شخصية فذّة وذكية وذات كاريزما جذبت إليها من انقاد للجماعة متأثر بالشيخ البنّا. فهو من نوعية الرجال ذات التصميم والتخطيط والإيمان بالفكرة والهدف. فهل في هذا نوع من التجنّي على الرجل؟؟؟

الظلم ظلمة.. يضم في جنباته الأقزام والعمالقه.. الأبيض والأسود.. الشريف والفاسد.. دون تمييز، وحينما يستبد الظلم في بلد ويتمكّن منه، يكون البلد عرضة للفساد دون ان يدري، ويصاب جسده بالكثير من الندوب والحروب والتشوهّات.. وفي ظلّ ذلك لا بد من قيام حالة من “التوازن” يمثّلها نوع من التطرّف في الإصلاح، شبيه بالتطرف في الجهة الأخرى الخاص بـالفساد.. وهنا تتأتى لنا أسباب نشوء الجماعة وتكوينها كما أرادها حسن البنّا.. فلماذا انصبّ عمل الأمن وأجهزته على القضاء على الإخوان..كتطرف ديني.. وتم تجاهل القضاء على الفساد كتطرف سلوكي وخُلقي بدأ داءه يتغلغل وينخر في جسد المجتمع؟؟؟؟

في حين ومن جهة أخرى لا محسوبة أبدا ربما للرأي الرسميّ والعام، أن الذين يذهبون ضحايا للغضب الرسمي وبطش يد القوّة والتعسف والظلم أحيانا من قِبل الجهة الرسمية، هم شهداء عند الله ماتوا في سبيل الدفاع عن قضيتهم وفكرهم ومبادئهم.. بمعنى آخر.. ماتوا وهم في نصرة “دينهم”! وهذا خيط حسّاس وربما خيوط حسّاسة معقّدة متشابكة.. لكنّ الإخوان يعرفون تماما كيف يستغلونها لصالحهم.

الجماعة –في رأيي- استجلب التعاطف للجماعة أكثر من عداءها، و وحيد حامد  أثبت أن قلمه يعمل للفن وحده، لا للمؤسسات الرسمية ولا للرغبات الشخصية. وكان الأحرى بالذين انتقدوا العمل واتهموا كاتبه بـ “العمالة” التوقّف قليلا أمام منعطفات المسلسل وأحداثه ورؤيته الـ “فذّة” التي أدهشنا بها،والتي في حقيقتها أوضح للمشاهد، أنّ ليس هناك من ممتهَم ولا من مُتستر عليه، وكان الأحرى بهم الرد على تداعيات القضايا الحالية وبرهنة براءتهم منها.بدل الوقوف والتشكيك في نوايا المؤلف، أو اتهامه بتزوير حقائق نشأة حسن البنا وحياته وطريقة إنشاؤه للجماعة.

مسلسل “الجماعة” يُعدّ أحد أهم الأعمال الدرامية لهذا العام، بل أحد أهم الأعمال في السنوات الخمس الماضية، إذا ما أضفناه لقائمة أعمال كـ “الملك فاروق” لـ حاتم علي و د.لميس جابر.

نحن في انتظار الجماعة في جزءه الثاني، وبنفس طريقة عرضه الحالية التي انقسمت بين عصرين، لربما نشاهد حينها الجماعة في عصر ما بعد الثورة، والارتباك الأمني وانعدام الثقة الذي نشأ بين الضبّاط الأحرار (حكومة ناصر) و الحركة الإخوان المسلمين، وسيرة سيّد قطب المثيرة للجدل والمليئة بالتناقضات.

بدأت الجماعة دعوية إرشادية… وهي اليوم “معارضة” “سياسية” “عنيفة”

فمن يشهد على صلاح حالها.. ومن يتحمل ذنب “انحرافها”..؟

ومن يُثبت بياض يدها.. ومن يقطع حبل اتهامها….؟

وإن افترضنا أن الضرورة حقا أباحت للجماعة ما كان محظورا، وأن درجة العلم التي اعتلوها أرشدتهم ليقين ما توقفنا معه مشككين، فهل ننسى أم هم نسوا قول سيدنا محمد (ص) وهو يوصّي جيوشه الزاحفة إلى الشام وقتها للفتح: لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تخربوا عامرا ولا تعقروا نخلا أو تحرقوه”

فما بالك وأنت على أرض أهلها مسلمون مهما نقصت معايير الدين وتخلخلت موازيينه، والضحايا مسلمون مهما قامت عليهم حجج العقاب.

“العامل على غير علم.. كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم، مايفسده أكثر مما يصلحه، اطلبوا العلم طلبا لا يضرّ بالعبادة، وطلبوا العبادة طلبا لا يضرّ بالعلم” الحسن البصري.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s