أردوغان… مايسترو المنتخب السياسي في ملعب الشرق الوسط.


نتائج الاستفتاء على تعديل الدستور الذي تمّ مؤخرا في تركيا، له نتائج مستقبلية خطيرة يتوجس منها المراقي خيفة، سواء في الداخل التركيّ أو في الخارج المحيط به والمتأثر بتركيا سياسيا واقتصاديا إيجابا أو سلبا. وذلك نظرا للتمازج واختلاف الغايات مع حلفاء تركيا، وحرصهم على وجودها في منطقة “عنق الزجاجة” للتحكم في قوّة العلاقات أو ضعفها مع تركيا.

ومن هذا، يفرض نجم “رجب طيّب أردوغان” شعاعه في سماء السياسة “الشرق الأوسطية” المظلمة. وذلك لانتمائه لمرجعية دينية عميقة تتناقض مع أسس  الدولة العلمانية وشروطها ومبادئها التي وضعت منذ الانقلاب العسكري عام 1980، وعمله الدؤوب منذ اكتساحه الانتخابات التركية هو وحزب العدالة والتنمية، عام 2002. فالرجل، لم ينسى أنه ينتمي جغرافيا للقارة العجوز، وثقافيا للشرق الأوسط، والرجل لم ينسى أن دولة كـ “تركيا” علاقاتها السياسية قائمة على المصلحة الاقتصادية، بالتالي لا ضرر في وضع يدها مع أعداء خلفيته الثقافية والعقائدية، ولا بدّ من التعاون مع أعداء انتماءه الجغرافي. ولكن هل هذا لا يعني بالضرورة انقلابا على أساسيات النشأة الفكرية لهذا الزعيم.

أردوغان.. تعلّم جيدا الدرس التركي، وحفظ كامل نقاطه، واضطلع على أهم التفاصيل. فلم يفوّت على نفسه تجربة أستاذه “نجم الدين أربكان” الذي كان نائبا لحكومة أجاويد قبل الانقلاب العسكري عام 1980، فحين أنشأ حزب العدالة بعد حظر حزب “الفضيلة”.. أعلن للملأ مدى التزامه بالدستور العلماني للدولة، وأنه ملتزم بكل ما يلتزم به أغلبية الشعب التركيّ. وحين اختاره 363 عضوا من البرلمان لرئاسة تركيا عام 2003، عرقل أحد أحكام السجن السابقة مهمة رئاسته، وذلك بسبب قصيدة وصفت بالطابع الدينيّ ألقاها في أحد الخطب الجماهيرية عام 1999، وسجن على إثرها.

حكومة أردوغان، امتنعت عن استضافة الجنود الأمريكين في جنوبها عام 2003 لغزو العراق، وعمله على إعادة الحقوق للأكراد، وسعى ل وسعى أردوغان نفسه إلى “تجريم الزنا” عام 2004، وتدخل بشخصه الرئاسي لتعديل القانون الذي يمنع المحجبات من دخول الجامعات التركية والسماح لهنّ بذلك. وتصديه للمؤسسة العسكرية في معاقبة كل من يثبت عليه جرم ورفع الحصانة عنه. ورغم ذلك، لم يسطع نجمه عربيا وإسلاميا، إلا بعد انسحابه الشهير من مؤتمر “دافوس” في يناير 2009، وتهديده بمقاطعة العلاقات التركية الإسرائيلية إثر العداوان الأخير على غزة (يناير 2009). منذ ذلك الحين، وكل تحرك لهذا الرجل تترصده العيون الإسلامية والعربية بترحيب، خاصة بعدااكتسابه ثقة الداخل التركي، حين خرج ببلاده قويّة إثر الأزمة الاقتصادية العالمية، واحتلاله مركزا متقدما في مصاف الدوّل المتقدمة.

لم يكتفي أردوغان بذلك، بل يدّ يده إلى جيرانه وأعداءه التقليديين (أرمينيا و اليونان)، وإنشاء علاقات دبلوماسية واقتصادية معهم، ومدّ العون والتعاون الاقتصادي لإيران في ظل العقوبات الأميريكية والأوربية لها، وتكوينه حلفا مع نظيره البرازيلي (دا سيلفا) لمنع العقوبات عن إيران على برنامجها النووي، وامتناعه تسمية حركات المقاومة في فلسطين (حماس) وفي لبنان (حزب الله) بتنظيمات إرهابية، وحرصه على الظهور بهويته الإسلامية قبل التركية، وتذكير إسرائيل أحيانا وخصومه كذلك بأصوله التي تعود للدولة العثمانية.

رجب طيّب أردوغان، نجح إلى الآن في حشد سواد الشعب التركيّ إلى جانبه، وضمن لنفسه وحزبه ومؤيديه انتصارات سياسية جمّة مستقبلا.. وخطوات التغيير التي يمشيها وإن كانت بطيئة، إلا أنها أثبتت جدواها إلى الآن، فهل يعود أردوغان بتركيا إسلامية مجددا في الوسط السياسي؟

لكننا من جهة أخرى، نشاهد ترصّد وتوجس من الحليف الأمريكي، خاصة بعد ارتباك العلاقة التركية الإسرائيلية، ونشهد تنامي غير مسبوق للخلايا القاعدة داخل تركيا، وشغب متصاعد بل غير منضبط للأكراد على الحدود، وللقارئ حرية الربط بين هذا وبين الدعم الأمريكي والإسرائيلي لحركات كالـ “القاعدة”، أو بعض ملل من الأكراد.

كلّ ذلك لا يعني أن الشكّ مازال يسكن هواجس المراقبين لهذا الرجل، وأن هناك العديد من الأسئلة تتعلق بطبيعة العلاقة بين أنقرة وواشنطن… وأنقرة وتل أبيب.. وغياب التحركات الجديّة إلى الآن على خلفية أزمة “أسطول الحرية” وتداعياتها بين الطرفين، ووجود السفارة الإسرائيلية إلى الآن في أنقرة.

إن كتب لــ أردوغان التوفيق في تحقيق مطامحه السياسية، وهو الذي يسعى لولاية ثالثة له في رئاسة تركيا، فمما لا شك فيه أننا سنشهد تغيّرا جذريا للمشهد السياسي في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تنامي الصف المؤيد للدور الأمريكي في المنطقة على حساب المنطقة ومصالحها، وظهور حشد من المثقفين العرب يبحثون عن “بطل” يعلّقون عليه آمالهم، بغضّ النظر عن عروبته.

/

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s