الجمـــاعة.. ما أبعد الخطوّة الأولى عن الميل بعد الألف!! (الشبيبة ملحق”مزاج” 4 سبتمبر 2010


للدراما في رمضّان طعم آخر تماما، نظرا للاهتمام الواسع والترصّد المبالغ فيه أحيانا للأعمال التي تُطرح فيه، والاهتمام بأبطال الأعمال ومخرجيها ومؤلفيها، برغم أنّ معظم هذه الأعمال لا تتعدى الخيال الدرامي في طرحها، ولا تتجاوز ما لم يتم تجاوزه قديما في غيرها من الأعمال، وكل جديدها، أنّها في رمضان جديد!

أمّا الجماعة، مسلسل أعتقده الحدث البارز في دراما رمضان هذا العام، والحديث الذي ابتدأ ولن ينتهي. ذلك أنّه أتى مؤرخا لأهم الجماعات أو الأحزاب الدينية في القرن الماضي وهذا القرن، جماعة تعتبر أكبر تنظيم حزبيّ في العالم، وأحد الجبهات اليسارية المعارضة منذ نشأتها على يد مؤسسها الشيخ المرشد “حسن البنّا” رحمه الله. فما الجديد في المسلسل خارج مذكرات الشيخ البنّا نفسه؟ وما المختلف هنا عمّا رصدته الصحافة المصرية والعربية والعالمية عن الجماعة قبل ذلك؟

العمل منذ بدايته، أتى عبارة عن حشد إعلامي مكثّف برز في كميّة نجوم السينما والدراما فيه، أمثال أحمد حلمي ومنّة شلبي وعبدالعزيز مخيون وعزّت العلايلي ومحمود مسعود وصلاح عبدالله والراحل عبدالله فرغلي وإيّاد نصّار ومحمود الجندي وسوسن بدر وعمرو واكد ونجوم آخرون لهم أدوار ثابتة في العمل أو يظهرون كضيوف شرف.

لكن ما استلفتني في العمل الدرامي، لمؤلفه وحيد حامد والمخرج الشاب محمد ياسين، هي تقديم صورة عامة عن المجتمع المصري المعاصر، واختلاط مفاهيم السياسة في دهاليز الحياة اليومية، واستفادة جميع الأطراف والأحزاب من أوجاع الناس والمتاجرة بها، وذلك ما يلخصه قول عبدالله كسّاب “عزت العلايلي”: الحكومات بتصنع آلام الناس، والجماعة والأحزاب بيتاجروا في آلام الناس، لكن في الحقيقة محدش عند الناس”.

أو تنبيه المشاهد إلى غياب طبقة مهمة كانت محرّكة ومؤثرة اسمها الطبقة المتوسطة. وذلك من خلال قول عبدالحميد يونس “صلاح عبدالله”: الظاهر في طبقة اتفرمت واتعجنت اسمها الطبقة المتوسطة”.

العمل أتى نقطة كشف للكثير من العيوب السياسية العالقة بثوب المجتمع المصري، والناتجة سواء من الجهة الرسمية أو الأحزاب الموالية أو المعارضة، رغم أنّه قدّم تأريخا تفصيليا دقيقا لحياة الشيخ المرشد حسن البنّا، والظروف المحيطة به، ولحظات إنشائه لــ “الجماعة”. وأتت أحداث المسلسل جريئة في طرحها فيما يخص الجهات الرسمية وفيما يخص الأخوان المسلمين، جرأة لا أحسبه يسلم منها حتى بعد انتهاء عرضه، هذا إذا لم يصدر قرار بوقف العرض فترة رمضان. فمنذ قصيدة “الميري الأزرق” للمواطن المصري المتهّم بقضية رشوة “أحمد حلمي” والتي كان ينتقد من خلالها الأوضاع السياسية عامة في مصر.. والذي يتضح بعد ذلك أنه بريء من التهمة، وسبب إتهامه أنه “لا يرتشي”. مرورا بالتحقيقات مع طلبة جامعة الأزهر لانتمائهم للجماعة “المحظورة” الإخوان المسلمين، والذين أوضحوا مدى تخلّي الرأي العام الرسميّ عنهم، ومساندة الجماعة لهم في تيسير وتسيير أمور حياتهم الدراسية والعملية بعد ذلك.

مما بدى عرضه في العمل الدرامي، يبدو أن المؤلف يريد أن يُوصِل فكرة وهي: أن الجماعة اليوم ليست مجرد تنظيم حزبي، بقدر ما هي فصيل شعبيّ يتواجد في كل قسم وفي كل بلدة وفي كل حارة وفي كل بيت.. وأنّ الخطوات التي قطعها “حسن البنّا” في تكوين الجماعة، خطوات أخذت بالجماعة عاليا لدرجة قدسيتها لدى فصيل كبير من المجتمع المصري، خطوات لم تعتمد على المصلحة السياسية ولا المالية في جوهرها، بقدر ما اعتمدت على الإنسان نفسه في صورتها وكيانها، مما ضمن لها إلى الآن استمرارها رغم الخلافات الجديدة/القديمة والمتجددة مع أيّ نظام حاكم يمر على مصر، منذ الملك فاروق إلى العصر الحالي.

التنقّل بين زمنين

تنقّل مشاهد العمل بين زمنين :”حياة حسن البنّا ونشوء الجماعة” و ” الحياة الحالية”. أوصلت للمشاهد رسالة مهمّة تتعلق بالسبب والنتيجة في محتواها، خاصة فيما يتعلق بعلاقة النظام والجماعة في الوقت الحالي، والآثار المترتبة على ذلك من تضرر المتصلين بالأمر أو دونهم. طريقة التقديم هذه أعادتنا إلى الجزء الثاني من فيلم العرّاب “The God Father” الذي انتج في العام 1974، حين تناول الفيلم حياة عصرين، حياة الــ “دون” الإبن، وحياة الــ”دون” الأب. رغم ذلك، هذا لا ينفي جودة المسلسل وروعته في تقديم الصورة والسيناريو ومزج المشاهد أو تتاليها أو الخروج منها لمشهد متصل.

وبين هذا التنقل، يتضح لنا جلياً مدى الفرق بين “الجماعة” مثلما يراها حسن البنّا، وبين “الجماعة” على ما هي عليه اليوم، والتي يبدو أنها في تخبط مستمر بسبب تنقّلها من مزاج لآخر، وتغييرها الشعارات لا حسب أهداف ذات بُعد، بل بما يتناسب والارتباك المستمر بينها وبين الحكومة. إلا أن ذلك لا ينفي أبدا حقيقية مهمة، أن “الجماعة” منذ تكوينها، خلقت التكافؤ والاتزان داخل المجتمع المصري، الذاهب بكل أطيافة أو جلّها في أواسط القرن المنصرم إلى العلمنة، اتزان خلق حالة من الالتفاف حول الاسلام أنتج عدة أطراف، أحد هذه الإطراف إدعى أنه يمثل الإسلام وفكره ونهجه، وطرف إدّعى أنه هو الإسلام في بساطته وسماحته ويسره، وأن الطرف الأوّل مغالٍ ومتشدّد.

“الجماعة” مسلسل أعاد للأذهان هيبة الدراما المصريّة، وجودتها وروعتها. هيبة سحبت الدراما السورية والممثلون السوريون البساط عنها منذ زمن، كذلك مسلسلات أخرى كـ “أهل كايرو” و “موعد مع الوحوش” اللذان أتمنى الكتابة عنهما في مقالات أخرى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s