إضاءات الليمون.. وهواجس آخر الحرس..


أنت يا درويش هنا.. تشاركني كل صباح بؤسي السرمدي.. وتشرب معي كوب قهوة الصبر والمرارة.. وتفتح لي أحيانا نوافذا مشرعة أبوابها للأمل..

أنت هنا يا سيدي.. تحاضرني في الكرامة.. وتعلمني القراءة.. وتدربني الكتابة.. وكيف نبحث عن بقعة الضوء في بحر الظلام..

أنت هنا أيها العاشق الأبدي.. جاري الذي يُزيّن شرفته كل صباح ويسقي أزهاره.. وطائري الذي يغرد كل صباح عند نافذة الحياة.. واسمي المدوّن في هُويّتي.. ورقمي المسجّل في بطاقتي..

أنت يا درويش يا حبيبي.. الشعر الذي ينسج خيوط النور للكلمات… وشلالات الكرامة التي تدفق على أراضينا.. لتروي زرعنا.. وتسقي حلمنا.. وتُحيي ذكرنا..

أنت يا سيدي الشعر الذي لم نقرأ.. والقصيدة التي لم نكتب..والحبيبة التي عشقناها ولم نراها..والوردة التي وصفناه ولم نشمّ عبيرها..

أنت يا درويش لم تغادرنا أبدا.. ولم ننساك أبدا..

ونحبك كثيرا كأي محبوبة لا تشيخ.. وكأي وطن لا يخضع..وكلما مررت من أمام صورتك أقف أمامها أحييها وأقبلها.. أمارس لها طقوس محبتي من بخور وشعر وأناشيد ودموع..

وإذ تركتنا وراءك.. فنحن ماضون خلفك يا سيدي.. فلا طُعم للحياة بعدك ولا لون للحروف ولا ملامح للكلمات..

 & & &

“أمرّ باسمك إذ أخلو

إلى نفَسي.. كما يمرّ

دمشقيّ بأندلس..

هنا أضاء لك الليمون جرح دمي

وها هنا وقعت ريح عن الفرس..

أمرّ باسمك لا جيش يحاصرني

ولا بلاد.. كأني آخر الحرس”

 

يادرويش..

 أإعتقدت بأن العام كافيا لمسح آثار الحزن لرحيلك؟؟

أم اعتقدت أننا معتادون  النسيان.. فأكملت مسيرة صمتك؟؟

ولكننا يا صاحب غصن الزيتون.. ويا سيد الشعر وحبيب الشعر.. أدمناك جدا.. وأحببناك جدا.. ولو خُيّرنا لأخترناك أكثر أكثر..

ولأنك أتيت إلينا هكذا.. ووجدناك هكذا.. كالدهشة عنيفا.. كالوردة مُثيرا.. وفُصّلتَ تماما كما للجنون أن يكون.. فقد أمضينا العمر ونحن نتعلم كيف نقرأك أكثر.. وكيف نتعلمك أكثر.. لأن القصيدة في شعرك قانوننا وبيتنا ودستورنا.. ولأن الكلمات في قصائدك عصافيرنا التي لا تموت.. وأحلامنا التي لا تتوقف.. وقامتنا الفارعة الطول.. وأناشيدنا المملوءة بالدمع والحزن والكبرياء..!

تركتنا كما تركت حصانك.. وحيدون قلقون أميّون عبثيّون مشردون… فلا الحصان تحرّر من قبضة انتظارك.. ولا نحن تحرّرنا من اضطراب القصائد والكلمات..

بكيناك يا درويش.. وكأننا ما بكينا قبلك أبدا.. وكأننا لن نبكي بعدك أحدا…

ومنذ أن التزمت الصمت الأبدي.. وتركتنا معلّقين على جدرايتك..أعلنا الحداد على القصائد والحداد على القضية.. واصطففنا طوابير حزن.. طوابير وجع..

واليوم.. ولأننا مطالبون بالاستقلال تماما عن العاطفة.. والاتكاء على الكلمات.. فإننا نعلن أننا عاجزون تماما عن الشفاء من حبّك.. فكيف يُشفى العاشق من علّة الشوق..؟؟

ونعلّن هنا..حيث غياب المعنى وبياض الورق.. أننا منقادون إليك.. وأحببنا العيش تحت استيطانك.. وسلّمنا لاحتلالك..ورفعنا الرايات البيضاء أمام حضورك..

وما حاجة المعاجم بعدك للكلمات… وماحاجة الشعر دونك للقصائد.. وما حاجتنا في غيابك للشعر والشعراء.. كنت سيدهم.. وذهبت وأنت آخرهم.. والشعر بعدك تراب… والشعراء حجر.

عُد يا درويش إلينا.. فالمسافة بين عيني ريتا والبندقية ضاقت…والعصافير غادرت الجليل.. وحالة الحصار امتدت من حدود الكرامة إلى حدود الوجع.. واستبدل القوم بعدك شعرهم.. واستبدلوا أحزانهم.. واستخدموا بطاقات لا رقم ولا اسم لها… وغيّروا في أسماء مجالسهم.. وحرّفوا في دستور الكبرياء..

عُد إلينا يا درويش.. فالطريق طويل..متعرج..ملتوي.. ولا خريطة نتبعها جداريتك..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s