ثقافة العظماء.. ثقافة التنازلات!!


لـ مـصر، نكهة ثقافية مميزة، كانت وربما لا زالت شيئا ما، تقود بالحراك الثقافي، فنيا وأدبيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، من منطقة لأخرى، ومن حالة لـ غيرها. وتاريخ صناعة الثقافة في مصر، تاريخ حافل بأهل الثقافة أنفسهم، فأنت تقرأ وتسمع عن “صالون العقّاد” و قبله صالون “ميّ زيادة” وجماعة أبولو وغيرها من الحركات الثقافية والتنظيمات الأدبية التي غيّرت وجه الثقافة العربية، وصنعت خارطة جديدة لها. ليست ثقافة “الرسميات”.. ولا ثقافة “المؤسسات”.. ولا ثقافة “الأفلنة”.. بل ثقافة الحراك لصنع الثقافة والتأسيس. الحراك الثقافي في مصر القرن المنصرم، وخاصة فترة “الخمسينيات والستينيات”، حراك قاد المجتمع العربيّ بكامل مثقفيه ومؤسساته وأنظمته، وشكّل خطوة الوعي الأولى، وشكّل خارطة الطريق. فأسماء كـ :العقّاد وشوقي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وصلاح جاهين وصلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الأبنودي وأحمد حجازي وسيّد حجاب وأحمد فؤاد نجم وتوفيق الحكيم وأنيس منصور و و و .. إلخ، أسماء لازال لها أثرها وتأثيرها، لما تمتعت بما نعرفه اليوم بالثقافة الشاملة، ذلك أنّهم لم يوزعوا أنفسهم في خانة الشعراء أو الروائيين أو النقّاد أو المترجمين.. بل كان لديهم أيّ حراك أو فعالية ثقافية أدبية أو علمية هو حراك للكل وللمجتمع. أمّا اليوم.. فنحن بارعون في أمرين اثنين: – تقويض العمل الثقافي، وذلك في القضاء على الأسَر الأدبية والاستقلال بالممارسة الثقافية التي يبدو أنها لم تتعدى تكرار ما فات وخلوّ الساحة من أيّ جديد. – الاصطفاف خلف طوابير الأجناس الأدبية، لدرجة وصل فيها الوضع، انقطاع حضور شعراء الفصيح مثلا عن أمسيات القصة القصيرة، وكذلك العكس. ناهيك عن ظهور حالة اللامبالاة بما يجري.. وعدم الاهتمام بالقرارات الثقافية أو حتى الخطط الثقافية. ومناقشتها والوقوف على جدواها ومغزاها.. تجنبا لما سيتم تكراره.. وتمييزا للجديد إن وُجِد! وما يجدر الإشارة إليه كذلك، عودة حراك المؤسسات الأهلية الثقافية.. ممثلا في “صالون السبلة” بعد توقف صالون “الفراهيدي” عن ممارسة أنشطته منذ زمن، مع العلم أنه حظي – صالون الفراهيدي- باهتمام مكثف من المثقفين العمانيين بمختلف أجناسهم الأدبية. الأمر نفسه الذي يتكرر اليوم في الفعاليات الثقافية لصالون السبلة. إذاً.. الثقافة ليست مجرد “عصفا ذهنيا” لمجموعة أفكار.. ولا أقضية أو حاجيات شخصية لمجموعة أفراد.. ولا طريقا خاصا أو موهبة ربّانية لمجموعة من المختارين.. بل هي عمل جماعي.. وفكر جماعي.. وحضور جماعي.. ونشاط جماعيّ. العمل بها هو هدف للارتقاء.. لا “المجد الشخصي”.. تنفيذها هو تشكيل خارطة للإبداع لا التملق للصعود على السلّم الوظيفي. وأي خلل يصيب جسد الثقافة، بظهور نوع من المثقف المغيّب فكرا والحاضر “تبعيةً”.. خلل من شأنه وضع الحراك الثقافي في منطقة اللاوجود. وزج المثقف في زنزانة الصمت. لا نريدا اختراعا ولا معجزة.. نريد ثقافة قريبة منّا ومن همومنا وأفراحنا وآمالنا وأحلامنا، لا قريبة من المناصب والمؤسسات والمدح والمجد.. نريد ثقافة تُربي الأجيال وتصنع الأفكار وتُنتج العظماء، لا ثقافة تولّد الإحباط وتنحر الأفكار وتُقدّم التنازلات!
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s