الطيب صالح… كتابات لها في القلوب مواسم.


          كنت في الـ 17، أوّل مرة أمسك بها بـرواية “موسم الهجرة للشمال”، وكان كل شيء جديد عليّ وقتها كاسم الراوي، فجأة انتقلت من إحسان عبدالقدوس ونجيب الكيلاني ومحمود عبدالحليم عبدالله ونجيب محفوظ ويوسف السباعي.. عالم مصريّ بامتياز..في شخوصه وعلاماته وحيواته المختلفه.. إلى عالم الطيّب صالح!! وموسم الهجرة!!

          أذكر وقتها، أنني عرفت بموسيقى اليونانيّ Yanni، فكنت أقرأ فترة الظهيرة من كل يوم رواية “موسم الهجرة..” برفقة صوت موسيقى لـ مقطوعات Yanni مثل Until the last moment and One man’s dream Santorina, . كل ذلك يحدث، وأنا أتنقل بين لندن ومسارحها وبرودتها وبين الخرطوم والقرى السودانية البعيدة.. بين حكاية طموح رجل ومصير أمّة.. وتداعيات تداخل ثقافيّ ومخلّفات استعمار أجنبيّ. بين وجوه سمراء تنتمي لصحارٍ قحط وأراض جدب.. وبين وجوه بيضاء تنتمي للصقيع.

          تلك القراءة البكر للرواية ما زالت تتكرر لليوم.. وستظل هكذا، وشخصية مصطفى سعيد.. شخصية السودانيّ المنتمي فكرا لحضارة غربية… وتاريخا لحضارة شرقية.. انموذجا لخلل اجتماعي يصيب كلّ بنية تتخلص من آثار استعمار ما. وهكذا بدأت عالم اكتشافي لكتابات الطيّب صالح.. “عرس الزين” و “دومة ود حامد” و “المريود” وأخيرا “ذكريات المواسم” التي بدأها بـ “منسي : إنسان نادر بطبيعته”.

          أحببت الطيب صالح.. كما أحببت أبو  الطيب المتنبيّ.. ولا أدري ما سبب صدفة تشابه الأسماء هذه، بل أحببت فكره وحياته وكتاباته..ومنذ “الموسم” إلى ذكريات “المواسم” وجدت في كتابات هذا الرائع القليل الانتاج، الكثير من الفن والمعرفة والثقافة والحياة.. وكأنك تدخل في خضّم تجربة حياة وتخرج منها لأخرى.

للآن.. منذ 13 عاما، ولا زال الطيب صالح يرعى الكثير في ما أكتب وما أقرأ، للآن ولا زالت شخصية” مصطفى سعيد” أحد أكثر الشخصيات الروائية جدلا على مرّ تاريخ الرواية العربية، يسكن في هاجسي، ويشاركني قراءة أعمال أخرى، ويسافر معي، يعطيني رأيه دائما في الجمال والنساء والحب.

فهل قدر التجارب العظيمة.. أن تكبر درجة عظمتها كل يوم أكثر،، مهما مرّها الزمن. وهل حقا أولئك الذي يتبارون اليوم في طرح أعمالهم الروائية، وعوالمهم القصصية، وخلق الشخوص، على علم بوجود روايات كهذه، هل يا ترى قد قرأوا أعمالا بحجم “موسم الهجرة إلى الشمال” “خان الخليلي” الطريق الطويل” “الحب في المنفى” وغيرها من الروايات العربية التي قدمت الإنسان العربي والمحتمع العربيّ بفكره وعواطفه وأشجانه وتقلباته؟؟؟

سيبقى الطيب صالح لغة روائية لا تتكرر، وتبقى أعماله “علامة” جودة لا منافِس لها. وبين “موسم الهجرة إلى الشمال” حتى ذكريات ” المواسم” ذو الأجزاء الـ 9، أصبح لذاكرة الأدب العربيّ مخزونا فريدا في النوع والمضمون.

اللهم نسألك أن تخرج من ظهرانيّ أمتنا كتّاب رواية لا ناسخين ولا مصوّرين ولا متلصصين.

Advertisements

2 thoughts on “الطيب صالح… كتابات لها في القلوب مواسم.

  1. الأديب القاص / نبهان الحنشي المحترم
    ترسل لك المجلة العربية من السعودية السلام، وكل عام وأنت بألف خير بمناسبة شهر رمضان المبارك
    وفي هذا الصدد؛ تطرح المجلة عليك سؤال الاستطلاع ويدور حول المكان في الأدب، والسؤال هو:
    تمتاز البيئة العمانية بغنى الطبيعة التي تأسر الألباب وعليه: ما أثر البيئة العمانية (المكان) في بنية الأدب؟ أكان شعراً أو قصة أو رواية؟
    الإجابة تأتي في حدود الـ 300 كلمة؛ أي صفحتين إلى ثلاث صفحات

    ثانياً:
    أود أن أعرفك بالمجلة، وهي شهرية سعودية واسعة الانتشار عربيا، تحمل اسم العربية وتصدر عن وزارة الثقافة السعودية ويرأس تحريرها الدكتور عثمان بن محمود الصيني مستشار وزير الثقافة والإعلام

    إليك رابط المجلة الإلكتروني
    http://www.arabicmagazine.com

    مع كل التقدير
    arabcipress@gmail.com

    • المجلة العربية..
      كل الموّدة والتقدير والمحبة للمجلة والعاملين عليها.. وأهل السعودية
      رمضان كريم وعيد مبارك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s