الشرطة السريّة.


المصطلح إيّاه، مخيف ومرعب. وكلمة “سريّة” عادة ما تترافق بمعاني كثيرة فاسدة، خاصة وأن مصطلح “السرية” نفسه ترافق مع ذاكرة العرب السياسية بالكثير من الأمور التي خلقت وخلّفت نوعا من الأزمات وتصفية الحسابات.

فكما عرفنا من تصريحات أهل الأمر في شرطة عمان السلطانية، أن هذه الشرطة وظيفتها “المعاقبة” بخفاء، لا “الإصلاح”. فهل ينقص الشرطة حقا فوق أجهزتها المتطورة، وشرطتها المنتشرة بين شوارع مسقط وحواريها، بل وحتى عمان بأكملها، إلى شرطة تراقب الخلق والعباد من أجل ترصد أخطائهم وتصيّدها؟؟

الشرطة “السرية” هي كالشرطة المطلقة… والأخرى هي مفسدة مطلقة. فكيف نضمن لأنفسنا وجود هكذا نوع من الشرطة دون معرفة الحدود التي يجب التعامل بها على أساس “لا ظالم ولا مظلوم”. ومن يضمن لنفسه صلاح الأمر من فساده في حالة عدم وجود شاهد عيان غير الشرطيّ “المدسوس” نفسه.

لو أن الأمر قائم بحدّ ذاته كثقافة عامة في المؤسسات الرسمية، لربما كان من السهل علينا أن نتقبل الأمر من باب “حرص أداء العمل بعافية” أقصد، مراقبة الوضع الوظيفي في تنفيذه بعيدا عن الرشوة والتقصير، ولكن رغم ذلك، ورغم نشوء ظاهرة الرشاوي، والتقصير في العمل، والبطئ في تنفيذ المشاريع الكبرى والصغرى، والحديث عن الـ “ميزانيات” المهولة التي تصرف في المناقصات دون مراقبة ولا محاسبة، إلا أنه غاب عن الحكومة وضع اللجان المراقبة، أو اللجان “السريّة” لضمان شفافية المراقبة لهذه الوزارة أو تلك.

          فما الضامن، في حالة وجود الشرطة “السريّة”، عدم توسيع مهام هذه الشرطة، وبطريقة سرية لتشمل أمن المواطن نفسه بحجة أمن الدولة. ومراقبة القول والحركة لتقوم القائمة على هذا الفلان أو أولئك الأفلنة.

          مهما كانت حجة الشرطة في حفظ الأمن، فالشرطة السرية يبدو أنها تسعى لتضخيم “جيب” الشرطة، الذي بدأ في تضخم منذ انتشار الرادارات الشرعية واللاشرعية، الظاهرة والخفية. ومنذ ارتفاع قيمة التجديد وتسعيرة المخالفات، التي يبدو أنه مرتبطة بالتضخم الاقتصادي كذلك. عفوا يا شرطة عمان السلطانية.. فأمن المواطن شيء.. والاهتمام بجيب المواطن شيء آخر.

          قرار الشرطة في إنشاء “الشرطة السريّة” قرار فيه الكثير من التفرد والتعالي، وفرض القبض السلطوية في الرقابة الشخصية ل حزام الأمان أو المكالمات الخليوية أثناء القيادة أو تجاوز السرعة القصوى، أعتقد أنه تصرف يقود لأمرين :

–       صدامات عنيفة واحتجاجات على الشرطة، خاصة في حالة تجديد مركبة ما ووجود العديد من المخالفات المتراكمة عن طريق الشرطة السرية.

–       فرض الشرطة سيطرة غير مسبوقة، قد تعمل على تقييد السائق (المواطن وغير المواطن) وإلزامه بما لا يستطيع من قوانين وتبعات هذه القوانين.

كان الأحرى بدل الحديث عن الشرطة السرية، الحديث عن الشرطة “المساعدة” التي ستعمل على تبيين وتوضيح أهمية إلتزام الشائق بالقوانين والحرص على عدم اتكابه للمزيد من الأخطاء القاتلة. الشرطة “المساعدة” التي تقف على إحصائيات ومسببات الحوادث والمخالفات، سعيا للحفاظ على سلامة السائق والحفاظ على “جيبه”. فالعقوبات الكثيرة ليست بالضرورة الحل الأمثل لانعدم الخطأ. خاصة وأنه بعد 7 سنوات من تطبيق نظام “تركيب الرادارات” في الشوارع الرسمية لمحافظة مسقط والباطنة والداخلية، ثبُت أن مراقبة السرعة والمعاقبة عليها ليست دائما حلا لتفادي تكرر حدوث الخطأ.

وليتها كذلك – أي الشرطة- قدمّت ما يسمى بالمواصلات “البديلة” التي تغني السائق والمواطن وطيس المخالفات والقوانين المترتبة واللامنتهية، ناهيك عن معاناة ارتفاع أسعار السيارات في السوق المحلي والعالمي.

أتمنى من المسؤولين وأصحاب القرار مراجعة قرار الشرطة السرية من جديد، وأتمنى من مجلسيّ “الدولة و الشورى” أن تكون لهم كلمة في هذا الأمر بما أنه يمس المواطن ظاهرا، وفي الخفاء يعمل على ايجاد تشريعات غير مسبوقة من تدخل لا معقول ولا مسموح في خصوصيات الفرد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s