ذلك الوصل.. هذا الفراق!


أيّ حنين أسأته إذ أحسنت الفِراق.. وأيّ نسيان أحسنته إذ أسأت الوصل.. تتقرب من مدنٍ تتقن رشّ الملح على الجرح ، لتوقظ الشغف بجمر ذكريات لا تموت سريعا، وتنتمي بخرائطك ومدائح ظلّ ياسمين لا رائحة له إلى ذاكرة؛ ضاقت بها العبارة لكثرة ما احتضَنت من دمع؛ واتسع بها الحلم لقلة ما اكتسَبت من فرح.. فأي فراق أحسنته يا المنتمي أبدا لسيرة الحنين، وأيّ وصال أسأته يا العائد دوما بأساور الأنين.

تشتعل صمتا بمدينتك..وتكتم صوت الحب داخلك.. وتتعلم كيف تبني موقدك السريّ… لتحرق قصائدك “الشهية” للخطيئة والجرح.. وتُقيّد يدك حتى لا تستلقي غفواً ذات لحظة دفء حميمي على كتفيّ امرأتك اللامنتهى لرقتها الخفيفة كجناح فراشة.. وتُخفي عينيك خلف نظّارةٍ سميكة العتمة، كيّ لا تتعرى اللهفة لحظة ابتسامة حبيبتك، وشروق الشمس من بياض أسنانها.. وتمنع حرس المشاعر من العمل حين يخرج الفرح من مقلتيها، ويحيط بك. كلّ هذا يحدث في مدينة جميلة لا يتسع فضائها للحب.. ولا أرضها!!!

*

ماذا تركتَ إذ أخذت الوجع.. وماذا أخذت إذ تركت انتظارك.. رغم كل المنعطفات التي انحدر القلب بها نزولا وسقوطا.. إلا أنك مازلت في انحدار لهاوية أعمق.. أتتبع اثر النزف لتداوي الجرح..؟ أم تترك الجرح ينزف من أجل أن تترك للشفاء أثراً ؟؟

يا لهشاشة النسيان.. تتحطم أمواجه  وترتد أمام أوّل صخرة للذكرى.. يا لهشاشة النسيان.. يٌكمل من تساقط أوراقه دائما، ويُتقن تصيّد الدمع، واختلاس المنامات وتوطين الأرق.. يا لهشاشة النسيان وقسوة الذكرى.. كيف لي بنسيانك يوما وأنت تتقدمين خطاي، وتسكنين أحلامي.. ويشاركني صوتك أحاديثي.. وتتسربين لمسامعي من موسيقى “موتسارت” ذات سماء مقمرة تحتفل بصفائها وفضح جراحنا..

يا لهشاشة النسيان.. يذوب جليده عندّ آخر كلّ صلاة.. وأول كل دعاء.. يا لهشاشة النسيان حينما يتركك المطر تنهمر بخفة كالصفاء، الذي يفضح عمق الخلجان.

*

الحزن الذي يزداد توسعا، انكسار مخيف كإعصار لا قوة للبشر على إيقافه.. والفرح الذاهب أبدا في انكماش، حياة تملؤها الخيبة والخيانة. فكيف أبدأ دونك حياة لا تدمرها الأعاصير.. ولا أحظى فيها بغطاء أتدثر به من صقيع جراحك. كالعشب ينمو فراغك داخلي، على أسطحي ونوافذي وعتبات أبوابي المشرعة والمغلقة.. أكاد أقول: ليتني أحبك أقل كثيرا مما أشتهي.. وأكثر قليلا مما تتجاهلين. وجهك في عينيّ.. وجهي في عينيك.. أي قدر ذا الذي يفرقنا يوما.. وأنا البلاد التي دون خراب لبيوتها وأعشاش طيورها ونخيلها، لا هويّة لها.. وأنت الإعصار الذي دون أرضي لا طريق له ولا قوّة لرياحه. فكيف يُذرف الدمع ولا عيناً بكت؟؟.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s