لذلك أحبّك يا متنبي..!


لم أقرأ شعرا أثار فيّ الحماسة يوما مثلما قرأت لهذا المغرور.. ولم أتوقع في يوم قبل أن يصطدم الوعي به، وجود شعر كشعره.. فمن النادر جدا أن تركب فرسا ولا تحتاج لسرج ولا طوق ولا حبل ولا “سوط”.. وهكذا كنت كلما قرأت المتنبي.. هو كالمرآة.. كلما قرأت لشاعر بعده.. تراه يُطلّ من زاوية ما.. هو كحبة “البانادول”! يُخلصك من آلام الرأس، ويطرد إحساس الخمول كلما شممت أو تناولت بعضا من كلماته..

المتنبي حالةٌ صرف،استثنائية جدا ومميزة جدا.. وللأسف، لاتتكرر ولو كعُشر حالة!.. ومن يدّعي أنه فهم هذا الشاعر.. فهو كاذب لا شك..ومن يدّعي أنه كأي شيء جميل آخر.. فهو لا يفهم الشعر.. ومن يعتقد أن هناك من يضاهيه جمالا وطموحا وعزة وشموخا.. فهو امرئ لم يفارق “القاع” يوما..!

أو يدعّي أن أهل الضاد أكرمهم الله بواحد مثله أو أحسن منه.. فهو خياليّ يبالغ.. وإلا، كيف للغة العربية أن تشهد كلمات كــ:

كأن الحزن مشغوف بقلبي… فساعة هجرها يجد الوصالا

ومن أين للخيال الجامح الخصب أن ينتمي لمشهد كــ : ضاقت الأرض حتى صار هاربهم… إذا رأى غير شيء ضنّه رجلا…..أبو الطيب شكل من أشكال الإبداع التي يصعب تحديدها أو رسم شكلها أو وصف ملامحها.. وشعر كشعره فيه علاج للكثير من الكآبة وآفة الذل والخنوع.. وربما لو اكتفوا أهل الضاد بالتمرّس على أشعاره وتلقين أبنائهم كلماته.. لتربوا على العزة والرفعة.. ولأصبحوا أبناء لغتهم الباريّن..

إن كان سركم ما قال حاسدنا… فما لجرح إذا أرضاكم ألم

هذه اللغة “السينمائية” باحتراف.. ممتلئة بالمشاهد والمشاعر والخيال.. وكلما مررت على كلمة لتتجاوزها لأخرى، كأنك تنتقل من شرفة مطلّة على بساتين من الزهر واللوز والياسمين.. لأخرى مطلّة على بحر وسماء وطيور ومطر خفيف وسكون.. لا شاعر قبله قلَب بي المشاعر و”كوّرها” وعمّرها بالطموح والحلم والأمل مثله، فشاعر يجيد مدح الحمد كما يجيد ذم الذم كأن يقول:

إذا غامرت في شرف مروم… فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الأمر في أمر حقير…. كطعم الموت في أمر عظيم

يستحق تقبيل رأس فكرتها.. وشمس طموحها.. وسماء أحلامها.. لأن الشعر الذي يقدّم لك هذا العتاد من الحب والحرية والحلم والمفخرة..  شعرٌ لا يجوز – أدبا ولا إنسيانيةً- تركه للكتب أو التاريخ، أو عرضةً لتأويل ناقد طموح لا يُفرّق إذا نظر أسف قدميه بين تبر الشعر وترابه..  ولعلّ هذا الشاعر العظيم “تنبأ” بأقوام ستأتي بذمِ الجميل لأنه لا يعرف عن الجمال.. إلا قوام النساء وصفاتهن.. أما يكفي قوله:وإذا أتتك مذمتي من ناقص…. فهي الشهادة لي بأني كامل…. أما يكفي أنه تسيّد الحنين، أخذه من أوكار الظلام لمنابك النور.. وعلّم الجرح أن يكون أبيّا عزيزا.. وتكلّم بالحب فأعاد كتابة سيرته.. يقول: لك يا منازل في القلوب منازل…. قد غبت أنت وهنّ منك أواهل

وقال في لحظة دمع غادرة وجرح حنيني مؤلم:

نصيبك في حياتك من حبيب… نصيبك في منامك من خيال.

كما قال في لحظة لوعة حب قاسية عنيفة مؤلمة نادرة مجهضة لا تُنتسى ولا تراها في غير موضع:

لا تعذل المشتاق في أشواقه …. حتى يكون حشاك في أحشائه ،،إن القتيل مضرجا بدموعه…. مثل القتيل مضرجا بدمائه .. من يقرأ المتني ليحذر.. لأنه سيكون في حالة من الصعود المباح.. والانتشاء الروحانيّ.. وانفصاله عنه لا شكّ سيكون كما يقع المرء من برج عال..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s