عُمان الحديثة..


    لعل المتابع للمراحل السياسية في عمان.. لا يفوته التغيير الكبير والنقلة النوعية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك منذ تولي قابوس بن سعيد الحكم في عمان منذ عام 1970، وإذ تقترب الدولة من عمرها الأربعين.. كان لا بد من وقفة هي حسابية قبل أن تكون إحصائية.. ترى في ما كان متوقعا لهذه الدولة ان تكون عليه.. وما هي عليه.. ومدى الوعي الثقافي والحال الاقتصادي للأفراد في المجتمع العماني..
    والذي يرقب الوضع السياسي والتجاذب القبلي.. والحياة البسيطة والساذجة التي كان عليها المجتمع العماني قبل عهد قابوس.. يستغرب لما آلت إليه الأمور الآن.. وعموم الحال..هذا حال دول مجلس التعاون جميعها.. منذ ستينيات الفرن المنصرم.. وهو الاهتمام بجانب التطوير الاجتماعي والعلمي والثقافي والاقتصادي..
    اليوم.. ونحن نعيش في دولة من المفترض لها أنها قائمة على أسس اقتصادية متينة.. كونها دولة نفطية وتمتلك من الموارد الطبيعية من غاز ونحاس وثروات سمكية وأراض زراعية.. ما يجعلها من الدول ذات الأهمية الاقتصادية الكبرى في المنطقة.. شريطة الاتجاه إلى الاكتفاء الذاتي.. من ناحية المنتج والمستورد..
    ولكن ما نعيشه اليوم أمر مختلف تماما..
    فالدولة رغم أنها تدخل في عمرها الجديّ والعملي.. والذي من المفترض أن ننظر فيه إلى النتائج الميدانية.. مقارنة بدول قريبة من المنطقة.. مثل ماليزيا وإيران وسنغافورة.. دول قريبة من حيث عمرها الجديد.. والقريب من الرقم الحالي لعمر دولة عُمان..
    توجد هناك الكثير من المصانع.. الكثير من الشركات العقارية والكثير المنتجات المحلية.. ولكن مع غياب معايير الجودة..لازال المواطن يتجه للمنتج الخارجي لثقته الكبيرة به وفي جودته..سواء كنّا نتحدث عن منتجات غذائية أو منتجات استهلاكية أخرى..
    ولو تطرقنا لباب أكثر أهمية.. وهو العلم والموارد الأساسية التعليمية للدولة المتمثلة في المدارس والكليات والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى.. وعدم ثقة الكثير من المواطنين فيها، الأمر الذي يدفعهم في قليل من الحالات.. شرط توفر المادة اللازمة.. إلى الاتجاه خارجا.. والتوق للحصول على شهادة خارجية لا ينافس بها الشهادات المحلية.. بل يتربع القمة بها..
    فهل الوصف الأدق لدولة كـ عمان.. وغيرها من دول الخليج.. “دولة العبث”؟؟!
    ذلك أنك تعيش فيها حالة من الامان.. وحالة من الهدوء والاستقرار والطمأنينة.. وتستظل بالكثير من المحرمات المتعلقة بالقبيلة والمذهب.. وتجد في دستورها مجلس الشورى والذي يمثل شكلا من أشكال الديمقراطية الوهمية.. ذلك أن المجلس معطّل ولا يقدم أو يؤخر.. وأصبح يشكل عبئا على ميزانية الدولة لكثرة أعضاءه.. فالمجلس لا يستطيع تغيير قانونا ما ولا فرض أي قانون أو حتى وصاية.. يكتفي أعضاءه بتداول المستجدات المحلية دون القدرة على التغيير. وتجد كذلك “مجلس الدولة” والذي يأتي ترتيبه بعد مجلس الوزراء.. ولربما فرضه للمشاريع الجذرية والمناقصات الهامة الخاصة بالدولة.. يجعله أكثر حراكا من مجلس الشورى..
    ولكن الأهم من هذا وذاك.. ومن تشريع المجالس الدستورية وغيرها.. غياب الخطة التي تحفظ استمرارية الدولة.. فالمصانع العمانية لا تتعدى انتاج الموّاد الغذائية اللاأساسية.. والتنمية البشرية في تدهور مستمر.. لغياب الكفاءات العملية والعلمية والفكرية عن مناصب الدولة العليا.. بسبب “المحاصصة القبلية” المتبعة في توزيع المناصب العليا. وظهور الكثير من العيوب الإدارية المتعلقة في شخوص الوزراء ووكلائهم.. وانعدام مساحة الحرية التعبيرية في الصحف المحلية بسبب تشديد الرقابة على أي وسيلة إعلامية سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية، برغم تشديد قائد البلاد السلطان قابوس لى عدم مصادرة الفكر.. إلا أنه يبدو أن القوانين المكتوبة ليست هي المطبقة.
    وكذلك دخول البلاد في أزمة متنامية ومتزايدة باستمرار اسمها البطالة.. رغم التعداد السكاني البسيط جدا مقارنة للدول العربية المقاربة لها في المساحة.. ورغم وجود القاعدة الاقتصادية القوية التي تستطيع ابتكار الكثير من المشاريع التنموية التي ستساعد في خروج البلاد من أزمة البطالة بيسر..
    ولكن الدولة بدأت تدخل في مأزق المحسوبية في كثير من مؤسساتها الرسمية.. وبدأ تجارة العقار تتحكم في مصير الكثير من المواطنين وترسم ملامح الطريق للوجهة الاقتصادية للبلد.. \
    ورغم أن هناك تقريرا صدر في أواخر عام 2008 يُفيد أن الشعب العماني أكثر الشعوب سعادة في العالم..إلا أن المقاييس والمعايير التي استند عليها تقريرا كهذا غير واضحة أبدا.. ذلك أن مستوى دخل الفرد العماني يتراوح بين 1000 – 1500 $، وغالبية كبرى من الشعب تفوق نسبتهم الـ 45% أو أكثر، يرزحون تحت أعباء الديون..وأن العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية بدأت تُشكل نوعا من الهاجس المزعج والمرفوض لدى الكثير من المثقفين..لما فيها من غلوّ المارسة والتطبيق، والأشياء المسكوت عنها بدأت تثير نوعا من القلاقل والاعتراضات حسب الأراء المُصرح بها في المواقع والمنتديات الإلكترونية، بداية بسياسة التوظيف ومرورا بالحريات الفكرية وانتهاء بالقوانين المدنية..
    والذي يتفحص المستوى الصحي والطبي أو المستوى التعليمي.. يدرك أن كثرة المستشفيات وكثرة الجامعات والكليات ماهي إلا ظاهرة تُعبر عن الكم لا عن الكيف.. وأن عمان كأي بلد عربي آخر.. يعاني من فقر تعليمي حاد، تمثل في في شهادات أكاديمية أو تربوية غير فاعلة في حقيقتها ولا يستطيع صاحبها تجاوز حدود البلاد بها.. وتضعضع طبي خطير، يتمثل في عدم ثقة المواطن في العلاج المحلي ونزوحه للخارج طلبا لعلاج أفضل.. وفساد إداري بدأ يستشري في كيان مؤسساته الرسمية..
    بالتالي.. نصل للعديد من الأسئلة:
    – اذا كنّا دولة نفطية.. فكم يقدّر المدخول السنوي للدولة؟ وكيف تتم عملية توزيع الحصص المالية بين الأسرة الحاكمة.. وبين القيادات الإدارية وبين عامة الشعب؟
    – لماذا تغيب المشاريع التنموية التي تقود البلاد إلى نهضة صناعية وزراعية، من شأنها أن تساهم في خلق اكتفاء ذاتي؟
    – لماذا حقول النفط والغاز في أيدي شركات أجنبية تأكل الكثير والكثير من حصة البلاد النفطية، وغياب الشركات المحلية رغم اقترابنا من العام الـ 40 كدولة نفطية مستقلة؟
    الكثير من الأسئلة تطرح نفسها.. ولعل الصمت على وضع كهذا يكون بمثاية السكوت عن الحق.. ذلك أننا المتأثر أولا وأخيرا بالمستقبل.. وسياسية رأس البلاد سياسة ستصيب البدن إما بالعافية أو السقم.. ولا ضير في إعداة النظر إليها نظرة مستقبلية لا مرتهنة على الوضع الحالي فقط.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s